king of forums
عزيزي الزائر ادا كنت تريد ان تجل في منتدانا , اضغط تسجيل
و ادا كنت عضوا فاضغط دخول



 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 16:04

basmalh

المقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله كما علمنا أن نحمد، وصلى الله وسلم على رحمته وخاتم رسله سيدنا محمد وبعد ...

فهذا حصاد عمري العلمي ، وحصيلة جهادي الإجتهادي.

شرفي
فيه أنى عشت كتاب الله ، وتفانيت لأستقبال فيض الله ولعلى أكون قد وفيت حق
إيماني وأديت واجب عرفاني وأسأل الله سبحانه أن تكون خواطري هذه مفتاح
خواطر من يأتى بعدي ، وكتاب الله لا تنقضى عجائبه حتى يرث الله الأرض ومن
عليها ،
وحينئذ نعلم من الله ما أدخره لمن هداه

وحسبنا الله ونعم الوكيل

محمد متولي الشعراوي

***********************

مدخل

floor

بسم الله الرحمن الرحيم .. والحمد لله رب العالمين ..

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..

خواطري
حول القرآن لا تعني تفسيراً للقرآن .. وإنما هى هبات صفائية .. تخطر على
قلب مؤمن فى آية أو بضع آيات .. ولو أن القرآن من الممكن أن يفسر .. لكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى الناس بتفسيره .. لأن عليه نزل وبه
إنفعل وله بلغ وبه علم وعمل .. وله ظهرت معجزاته . ولكن رسول الله صلى
الله عليه وسلم .. اكتفى أن يبين للناس على قدر حاجتهم من العبادة التى
تبين لهم أحكام التكليف فى القرآن الكريم وهى إفعل ولا تفعل .. تلك
الأحكام التى يثاب عليها الإنسان إن فعلها ويعاقب إن تركها .. هذه هى أسس
العبادة لله سبحانه وتعالى ..
التى أنزلها فى القرآن الكريم كمنهج لحياة البشر على الأرض ..

أما
الأسرار المكتنزة فى القرآن حول الوجود، فقد إكتفى رسول الله صلى الله
عليه وسلم بما علم منها .. لأنها بمقياس العقل فى هذا الوقت لم تكن العقول
تستطيع أن تتقبلها ، وكان طرح هذه الموضوعات سيثير جدلا يفسد قضية الدين،
ويجعل الناس ينصرفون عن فهم منهج الله فى العبادة إلى جدل حول قضايا لن
يصلوا فيها إلى شيء والقرآن لم يأت ليعلمنا أسرار الكون، ولكنه جاء بأحكام
التكليف واضحة وأسرار الوجود مكتنزة .. حتى تتقدم الحضارات ويتسع فهم
العقل البشري ..

فيكشف الله سبحانه وتعالى من أسرار الكون ما
يجعلنا أكثر فهماً لعطاءات القرآن لأسرار الوجود، فكلما تقدم الزمن وكشف
الله للإنسان عن سر جديد فى الكون ظهر إعجاز فى القرآن .. لأن الله سبحانه
وتعالى قد أشار الى هذه الأيات الكونية فى كتابه العزيز .. وقد تكون
الإشارة إلى آية واحدة أو بضع آيات .. ولكن هذه الآية أو الآيات تعطينا
إعجازاً لا يستطيع العلم أن يصل إلى دقته.

والقرآن الكريم حمل معه
وقت نزوله معجزات .. تدل على صدق البلاغ عن الله سبحانه وتعالى .. وعن صدق
رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وكانت أول معجزة أن القرآن كلام
الله .. فيه عطاء الله ما تحبه النفس البشرية ويستميلها ..

إنه
يخاطب ملكات خفية فى النفس لا نعرفها نحن ولكن يعرفها الله سبحانه وتعالى
خالق الإنسان وهو أعلم به .. هذه الملكات تنفعل حين تسمع القرآن فتلين
القلوب ويدخل الإيمان إليها .. ولقد تنبه الكفار إلى تأثير القرآن الكريم
فى النفس البشرية .. تأثيراً لا يستطيع أن يفسره أحد .. ولكنه يجذب النفس
إلى طريق الإيمان ويدخل الرحمة فى القلوب.

لذلك كان أئمة الكفر
يخافون أكثر ما يخافون .. من سماع الكفار للقرآن .. ويحاولون منع ذلك بأية
وسيلة .. ويعتدون على من يتلو القرآن .. ولو أن هذا القرآن لم يكن كلام
الله الذى وضع فيه من الأسرار ما يخاطب ملكات خفية فى النفس البشرية .. ما
هتم أئمة الكفر أن يستمع أحد للقرآن أو لا يسمع .. ولكن شعورهم بما يفعله
كلام الله .. جعلهم لا يمنعون سماع القرآن فقط .. بل قالوا كما يروى لنا
القرآن الكريم:

"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ " 26 سورة فصلت

وهكذا
نعرف أنه حتى أهل الكفر كانوا لا يمنعون سماع القرآن فقط .. بل يطلبون من
أنصارهم أن يلغوا فيه، ومعناها (يشوشرون عليه) .. ولا يمكن أن يكون هذا هو
مسلكهم وتلك هى طريقتهم الا خوفاً مما يفعله القرآن فى كسب النفس البشرية
إلى الإيمان .. إن مجرد تلاوته تجذب النفس الكافرة إلى منهج الله .

ولو
نأخذ مثلاً قصة اسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه .. نجد أنه علم أن اخته
فاطمة وزوجها ابن عمه سعيد بن زيد قد أسلما .. فأسرع اليهما ليبطش بهما
وحاول أن يفتك بسعيد بن زيد .. فلما تدخلت زوجته فاطمة لحمايته .. ضربها
حتى سال منها الدم .. وعندما رأى عمر الدم يسيل من وجه أخته فاطمة .. رق
قلبه وحدث فى قلبه انفعال بالرحمة بدلاً من انفعال الإيذاء .. فخرج العناد
من قلبه وملأه الصفاء .. فطلب من أخته صحيفة القرآن التى كانا يقرآن منها
.. وقرأ من أول سورة طه ثم قال ما أحسن هذا الكلام وأكرمه .. ثم أسرع إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن اسلامه .. ولذلك فإنه اذا خرج العناد
والكفر من القلب .. واستمع الإنسان بصفاء إلى القرآن دخل الإيمان إلى قلبه
.

لقد سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه القرآن قبل ذلك ولم يسلم ..
ولكنه عندما رأى الدم يسيل على وجه أخته وتبدل انفعال الإيذاء فى قلبه
بإنفعال الرحمة .. استقبل القرآن بنفس صافية فأمتلأ قلبه بالإيمان وأسرع
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن اسلامه

ولذلك كان الكفار
يحاولون إهاجة مشاعر الكفر فى القلوب حتى لا يدخلها القرآن .. لأنه لكي
تستقبل الإيمان يجب أن تخلص قلبك من الكفر أولاً .

وهكذا نرى أن
القرآن الكريم لأنه كلام الله .. فان له تأثير خاص فى النفس البشرية ..
حتى ان الكفار كانوا يسترقون سماع القرآن من وراء بعضهم البعض .. وكانوا
يقولون ان له لحلاوة وان عليه لطلاوة .. وان أعلاه لمثمر ..وان أسفله
لمغدق .. وإنه يعلو ولا يعلى عليه .. وكان هذا أول اعجاز لأن القرآن هو
كلام الله تبارك وتعالى .

ولقد وقف الصحابة والمؤمنون الذين عاصروا
رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عطاء القرآن وقت نزوله فيما استطاعت
عقولهم ان تطيقه من اسرار الكون .. ومن اسرار القرآن الكريم .. فلم نجد
صحابياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى آيات الكون فى القرآن
.. أو عن عطاءات القرآن فى اللغة .. فمثلاً لم يسأل عن معنى " ألم" .. أو
عن " عسق" .. أو "حم" .. مع ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستقبل
كثيرين يؤمنون بكتاب الله .. وكثيرين يكفرون بما أنزل الله .. وكان هؤلاء
الكفار يريدون أن يقيموا الحجة ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضد
القرآن الكريم .. لم نسمع أن أحداً منهم .. وهم قوم بلغاء فصحاء عندهم
اللغة ملكة وموهبة وليست صناعة .. لم نسمع أحداً من الكفار قال ماذا تعني
" ألم" .. أو "حم" .. أو "عسق ".

كيف يمر الكافر على فواتح السور
هذه ولا يجد فيها ما يستطيع ان يواجه به رسول الله صلى الله عليه وسلم
ويجادله؟! .. لقد كانت هذه هي فرصتهم فى المجادلة .. ولا شك ان عدم
استخدام الكفار لفواتح السور هذه .. دليل على انهم انفعلوا بها وان لم
يؤمنوا بها .. ولم يجدوا فيها ما يمكن ان يستخدموه لهدم القرآن او التشكيك
فيه .. ولو ان هذه الحروف فى فواتح السور كانت تخدم هدفهم .. لقالوا للناس
وجاهروا بذلك.

رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو الذى عليه
القرآن نزل – فسر وبين كل ما يتعلق بالتكليف الإيماني .. وترك ما يتعلق
بغير التكليف للأجيال القادمة .. ويمر الزمن ويتيح الله لعباده من أسرار
آياته فى الأرض ما يشاء .. فيكون عطاء القرآن متساوياً مع قدرة العقول ..
لماذا ؟ لأن الرسالات التى سبقت الإسلام كانت محدودة الزمان والمكان ..
أما القرآن الكريم فزمنه حتى يوم القيامة .. ولذلك فلا بد ان يقدم اعجازاً
لكل جيل .. ليظل القرآن معجزة فى كل عصر .

*** يتبع بحول الله ***

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 16:05

basmalh
والقرآن نزل يتحدى العرب فى اللغة والبلاغة .. ولكن لأنه دين للناس جميعاً .. فلابد أن يتحدى غير
العرب
فيما نبغوا فيه .. ولذلك نزل متحدياً لغير العرب وقت نزوله .. فقد حدثت
حرب بين الروم والفرس وقت نزول القرآن .. وكانت الروم والفرس يمثلان فى
عصرنا الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفيتي .. كانا اعظم واقوى
دولتين فى ذلك العصر .. وحدثت الحرب بينهما وانهزم الروم .. واذا بالقرآن
ينزل بقوله تعالى :
الم (!)غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى
الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3) فِي بِضْعِ
سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ
الْمُؤْمِنُونَ(4) سورة الروم
لو ان هذا القرآن من عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم فما الذى يجعله يدخل فى قضية كهذه ؟ او يطلب أحد منه ان
يدخل فيها .. وكيف يغامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كلام متعبد
بتلاوته إلى يوم القيامة ولا يتغير ولا يتبدل باعلان نتيجة معركة ستحدث
بعد سنين؟ .. وماذا كان يمكن ان يحدث لقضية الدين كله لو ان الحرب حدثت
وانتصر الفرس مرة اخرى .. او ان الحرب لم تحدث وتوصل الطرفان إلى صلح ؟
انها كانت ستضيع قضية الدين كله .. ولكن لأن الله سبحانه وتعالى هو القائل
وهو الفاعل جاءت هذه الآية كمعجزة لغير العرب وقت نزول القرآن ..وحدثت
المعركة فعلا وانتصر فيها الروم كما اخبر القرآن الكريم .
ولكن القرآن
لم ينزل معجزة لفترة محدودة .. بل هو معجزة حتى قيام الساعة .. والقرآن هو
كلام الله ، والكون هو خلق الله .. ولذلك جاء القرآن يعطي اعجازاً لكل جيل
فيما نبغوا فيه .. اذا اخذنا العلوم الحديثة التى اكتشفت فى القرن العشرين
واصبحت حقائق علمية .. نجد ان القرآن الكريم قد اشار اليها باعجاز مذهل ..
بحيث ان اللفظ لا يتصادم مع العقول وقت نزول القرآن الكريم .. ولا يتصادم
معها بعد تقدم العلم واكتشاف آيات الله فى الأرض .. ولا يقدر على هذا
الأعجاز المذهل الا الله سبحانه وتعالى .. اقرأ مثلاً قول الحق تبارك
سبحانه وتعالى:
وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(7) سورة ق
والمد
معناه البسط .. وعندما نزل القرآن الكريم بقوله تعالى : "والأرض مددناها "
.. لم يكن هذا يمثل مشكلة .. للعقول التى عاصرها نزول القرآن الكريم
فالناس ترى ان الأرض ممدودة .. والقرآن الكريم يقول :"والأرض مددناها"..
وتقدم العلم وعرف الناس ان الأرض كروية .. وانطلق الإنسان إلى الفضاء ورأى
الأرض على هيئة كرة .. هنا احست بعض العقول بأن هناك تصادمات بين القرآن
الكريم والعلم .. نقول لهم أقال الله سبحانه وتعالى أي أرض تلك
المبسوطة؟.. لم يقل ولكنه قال الأرض على إطلاقها .. أى كل مكان على الأرض
ترى فيه الأرض أمامك مبسوطة.
إذا نزلت القطب الشمالى تراها مبسوطة ..
وإذا كنت فى القطب الجنوبى تراها مبسوطة .. وعند خط الإستواء تراها مبسوطة
.. وإذا سرت من نقطة على الأرض وظللت تسير إلى هذه النقطة فالأرض أمامك
مبسوطة .. ولا يمكن أن يحدث هذا أبداً إلا إذا كانت الأرض كروية .. فلو أن
الأرض مثلثة أو مربعة أو مسدسة .. أو على أي شكل هندسي أخر .. لوصلت فيها
إلى حافة ليس بعدها شىء .. ولكن لكي تكون الأرض مبسوطة أمامك فى أي مكان
تسير فيه لا بد أن تكون على هيئة كرة.
هذا الإعجاز الذى يتفق مع قدرات
العقول .. وقت نزول القرآن الكريم .. فإذا تقدم العلم ووصل إلى حقيقة لما
يعتقده الناس .. تجد أن آيات القرآن تتفق مع الحقيقة العلمية إتفاقاً
مذهلاً .. ولا يقدر على ذلك إلا الله سبحانه وتعالى .
ولو أن النبى صلى
الله عليه وسلم تعرض لهذه الآيات الكونية تعرضاً لا يتناسب مع إستعدادات
العقول وقت نزول القرآن .. فإنه ربما صرف العقول عن أساسيات الدين إلى جدل
فى أسرار كون لا يستطيع العقل أن يستوعبها أو يفهمها .. ولكن الحق تبارك
وتعالى ترك فى الكون أشياء لوثبات العقول فى العلم .. بحيث كلما تقدم
العلم وجد خيطاً يربط بين آيات الله فى الكون وآياته فى القرآن الكريم
..ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر كونيات القرآن وقت نزوله لجمد
القرآن ..لأنه لا أحد منا يستطيع أن يفسر بعد تفسير رسول الله صلى الله
عليه وسلم ..وبذلك يكون عطاء القرآن قد جمد..ولكن ترك رسول الله صلى الله
عليه وسلم للتفسير أتاح الفرصة لعطاءات متجددة للقرآن الكريم إلى قيام
الساعة .. وهكذا كان المنع هو عين العطاء .. وهذه معجزة أخرى من إعجاز
القرآن الكريم
كلمة قرآن ساعة تسمعها تفهم أنه يقرأ .. قرآن مصدر قرأ
مثل غفر غفراناً .. ولكن بعد نزول القرآن الكريم أصبح لفظ قرآن إسماً
بكلام موحى به من الله سبحانه وتعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقصد
التحدي ..ويسميه الله تبارك وتعالى كتاب .. إذن هو قرآن إذا أخذنا أنه
يقرأ .. وهو كتاب إذا أخذنا أنه يكتب .. والقراءة تستلزم حافظاً والكتابة
لا تستلزم حافظاً .. فالإنسان حين يقرأ من كتاب ليس محتاجا إلى الحفظ،
ولذلك فللقرآن وسيلتان من وسائل التلاوة: يحفظ فى الصدور ويسجل فى السطور
.. بحيث تستطيع فى أي وقت أن تقرأ من الكتاب .
وحين بدأ تدوين القرآن
الكريم كتابة كان لا يكتب منه آية إلا إذا كانت مكتوبة على جذوع النخل او
الجلود .. أو أية وسيلة اخرى من وسائل الكتابة فى عصر نزول القرآن ..
وزيادة على أن الآية تكون مكتوبة ..كان لا بد أن يكون هناك إثنان على
الأقل من الصحابة الحافظين لها .. إلا آية واحدة لم توجد مكتوبة بين يدى
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عند حافظ واحد فقط وكان القياس يقتضي
ألا تكتب وهي قوله سبحانه وتعالى
" مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ
صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ
وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23) سورة الأحزاب
ولكن
انظر إلى الخواطر الإيمانية يقذفها الحق سبحانه وتعالى فى قلوب المؤمنين
ليكمل منهجه .. هذه الآية لم يوجد من يحفظها إلا خزيمة بن ثابت ، وعندما
ثار الجدل حول تدوينها ، ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من شهد له
خزيمة فحسبُه) رواه البخارى وأحمد والنسائى والترمذى وقال :حسن صحيح
عن
زيد بن ثابت قال :لما نسخنا المصحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن
ثابت الأنصاري رضي الله عنه الذى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته
بشهادة رجلين (من المؤمنين رجال ......)
وكان الرسول الكريم صلى الله
عليه وسلم قد أعطى خزيمة بن ثابت وحده نصاب شهادة رجلين ... وهذه لها قصة
...أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إبتاع فرساً من أعرابي .. فاستتبعه
النبى صلى الله عليه وسلم ليعطيه ثمن الفرس .. فأسرع رسول الله صلى الله
عليه وسلم المشي.. وأبطأ الأعرابي فطفق رجال (أي أخذ رجال ) يعترضون
الأعرابي ليساوموه فى الفرس دون أن يعرفوا ان النبى صلى الله عليه وسلم قد
ابتاعه .. فنادى الأعرابي رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال :إن كنت
مبتاعاً هذا الفرس وإلا بعته .. أي هل تريد شراء الفرس أو أبيعه ؟
فقال
النبى صلى الله عليه وسلم :أوليس ابتعته منك ؟ ....فقال الأعرابي ما بعته
(أي ما بعته لك ) ..فقال النبى صلى الله عليه وسلم :بل قد ابتعته منك
...فقال الأعرابي هلم شهيداً ..أي ائتني بشاهد..فقال خزيمة بن ثابت أنا
أشهد أنك بايعته (أي بعته له).
وبعد أن انصرف الناس ..أقبل النبى صلى الله عليه وسلم على خزيمة...
فقال:
بم تشهد؟ .. (اي كيف شهدت على هذا ) .. ولم تكن موجوداً وقت المبايعة بيني
وبين الأعرابي؟ .فقال خزيمة: بتصديقك يا رسول الله ..(أي هل نصدقك فى كل
ما تأتينا به من خبر السماء ونكذبك فى هذه؟..فجعل رسول الله صلى الله عليه
وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين .. فأخذت شهادته بشهادة رجلين وتم تدوين
الآية .. وكان خزيمة يدعى ذو الشهادتين .. لأن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أجاز شهادته بشهادتين . من سير أعلام النبلاء . الجزء الثانى . ص 486
وإسناده صحيح
إذا أردنا ان نعرف القرآن ..فإنه لا بد أن يخرج عن مقاييس
البشر ..فالناس حين يعرفون الأشياء يقولون : حده كذا ..ورسمه كذا ..إلى
اخره ..ولكن كى نعرف القرآن الكريم نقول أن القرآن هو ابتداء من قوله
تعالى :
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ(1) الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2) فاتحة الكتاب
إلى أن نصل إلى قوله
قُلْ
أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ(1) مَلِكِ النَّاسِ(2) إِلَهِ النَّاسِ(3) مِن
شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ(4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ
النَّاسِ(5) مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ(6) سورة الناس
أي أنه من أول
سورة الفاتحة ..إلى آخر سورة الناس .. على أن نستعيذ بالله من الشيطان
الرجيم ..قبل أن نقرأ أية آية من القرآن الكريم ..كما علمنا الحق سبحانه
وتعالى فى قوله :
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(98) سورة النحل
لكن
العلماء أرادوا التخفيف على الناس فى تعريف القرآن الكريم ..فقالوا هو
كلام الله .. نزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بقصد التحدي
والإعجاز ليبين للناس منهج الله . والقرآن يتفق مع المناهج التى سبقته ،
ولكنه يضيف عليها ويصحح ما حذف منها لأنه موحى به من الله ..فالتوراة
والإنجيل والزبور من الله .. ولكنها تحمل المنهج فقط .. أما القرآن الكريم
.. فهو المنهج والمعجزة الدالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
التوراة
كانت منهج موسى وكانت معجزته العصى .. والإنجيل منهج عيسى ومعجزاته إبراء
الأكمه والأبرص بإذن الله ..إذن بالنسبة للرسل السابقين ..كانت المعجزة
شيئ والمنهج شيء آخر، ولكن القرآن تميز أنه المنهج والمعجزة معاً .. ذلك
أن المناهج التى أرسلها الله على الرسل السابقين أنزلها على نية تغيرها..
ولكن
القرآن الكريم ..نزل على نية الثبات إلى يوم القيامة . ولذلك كان لا بد أن
يؤيد المنهج بالمعجزة حتى يستطيع أي واحد من اتباع محمد صلى الله عليه
وسلم أن يقول محمد رسول الله وتلك معجزاته ..ولكن معجزات الرسل السابقين
حدثت وانتهت لأنها معجزات حسية ..من رآها آمن بها .. ومن لم يرها فهو غير
مقصود بها .لأنها حدثت لتثبيت المؤمنين..الذين يتبعون الرسول .. فمعجزة
عيسى عليه السلام لا يمكن أن تعود الآن من جديد..وعصى موسى التى شقت البحر
لا يستطيع أتباع موسى أن يأتوا بها الآن ليقولوا هذه معجزته..
إذن
فالرسل السابقون لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان لكل منهم منهج ومعجزة
ولكن كليهما منفصل عن الأخر ..فالمنهج عين المعجزة حالة مفقودة فى
الرسالات كلها .. ولكنها فى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أمر موجود يمكن
أن يشار اليه فى أي وقت من الأوقات ..


*** يتبع بحول الله ***

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 16:05

..............................
ونظرة
واحدة فيما قال الله سبحانه وتعالى فى كونيات الحياة التى أتيحت للعقل
البشرى فى القرن العشرين .. نجد أن القرآن الكريم يشير إليها لأن العمر فى
الرسالة القرآنية إلى قيام الساعة .. ومادام إلى أن تقوم الساعة .. يظل
القرآن معجزة حتى قيام الساعة ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى:
سَنُرِيهِمْ
آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ
أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
شَهِيدٌ(53) سورة فصلت
أي أن القرآن له عطاءان فى الإعجاز .. العطاء
الأول آيات فى الآفاق ، وهذه هى الآيات الكونية..والعطاء الثانى "آيات فى
انفسهم" وهذه هى الآيات التى تتعلق باسرار الجسد البشري..وقول الحق " حتى
يتبين لهم انه الحق" أي أن القرآن هو الحق ولذلك يمكن أن تقول ان آيات
الكون ستأتي موافقة لآيات القرآن الكريم ..أي أن الله سبحانه وتعالى وضع
فى القرآن الكريم من آيات الكون واسراره وعن الجسد البشرى وتكوينه آيات
يمكن أن يعطيها المؤمنين وغير المؤمنين..
ولقد أعطى الله تبارك وتعالى
من آيات الكون المؤمنين .. فبرع المسلمون الأوائل فى العلوم .. مثل جابر
بن حيان الذى وضع أساس علم الكيمياء ..وابن سيناء الذى وضع أساس علم الطب
والفلك والرياضيات..وابن النفيس الذى اكتشف الدورة الدموية ووصفها وصفاً
علمياً دقيقاً ..وابن الهيثم الذى برع فى الرياضيات والطبيعيات والطب وكان
أول من شرح تركيب العين وكيف تعمل وأبو القاسم الذى نبغ فى العمليات
الجراحية وغيرها.
ثم أعطى الله سبحانه وتعالى من آيات الكون غير
المؤمنين بما تشهده الآن من نهضة علمية فى دول الغرب ..وذلك يفسر قوله
تبارك وتعالى : " حتى يتبن لهم أنه الحق" أي أن آيات الكون .. ستجعل
المنكرين للقرآن الكريم يعترفون أنه الحق .. ذلك أن المؤمن يعرف أن القرآن
هو الحق .. ولكن المنكر للإسلام يكشف الله له آية فى أمر معجز .. يبين له
أن هذا الدين حق . ولقد حدث أخيراً فى مؤتمرات الإعجاز العلمى للقرآن
الكريم أن أعلن عدد من العلماء إعتناقهم للدين الإسلامى.
وإذا أردنا أن
نعرف شيئاً عن معجزة القرآن فانظر ماذا قال عن الكون وكروية الأرض
ودورانها حول نفسها .. وما يحدث فى أعماق البحار وغير ذلك مما لا يكتشف
إلا فى القرن العشرين ..وإذا أردنا أن نعرف الإعجاز فى القرآن فى قوله
"وفى انفسهم" فلننظر إلى مراحل تكوين الجنين ومراكز الأعصاب فى الجسد
البشرى وتكوين الأذن والعين وغير ذلك من إعجاز لا يمكن أن يتحدث عنه بهذه
الدقة الا خالقه .. وهذا ما شهدوا به علماء نبغوا فى علومهم بينما هم
منكرون للإسلام وللقرآن! وهذه الحقائق العلمية التى أشار اليها القرآن لا
يستطيع أحد أن ينكرها الآن لأنها أصبحت ثابتة الوجود.
والقرآن حين
يتحدى فإنه لا يمكن أن يأتى بمعجزة لا يعرف عنها الخلق شيئا فأنت لاتتحدى
كسيحاً فى سرعة المشى .. ولا شيخاً كبيراً ضعيفاً فى حمل الأثقال .. ولكنك
إذا تحديت فلا بد أن تتحدى مجموعة من الناس فيما نبغوا فيه ولذلك إذا قلنا
أن القرآن جاء يتحدى العرب فى إعجاز الأسلوب واللغة ..فهذه شهادة للعرب
أنهم نبغوا فى دنيا الكلمة..وهنا عندما يغلبهم القرآن ويعجزهم يكون هذا هو
التحدي ..تحد فيما نبغوا فيه وتفوقوا فيه ..ولذلك كان لا بد أن يكون العرب
عندهم نبوغ فطري فى الكلمة .. ويكون الأداء الجيد المميز للكلمة مألوفاً
لديهم شعراً ونثراً وخطابة .
وحين جاء القرآن الكريم يتحدى غير العرب .. تحداهم فى آيات الكون والخلق ولذلك نجد مثلا قول الحق سبحانه وتعالى عن أصحاب النار
إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا
نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ
الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً(56) سورة النساء
هذه
الآية الكريمة عندما نزلت فهمت بأنه كلما احترقت الجلود تجددت ، وعندما
توصل العلم الحديث إلى أن مراكز الأعصاب موجودة تحت الجلد بحيث أنه إذا
احترق الجلد ضاع الإحساس بالألم ، كانت هذه معجزة جديدة للدنيا فى عصرنا
.. يريد بعض الناس أن يتخذ العلم إلهاً من دون الله . وهكذا كان الإعجاز
المتجدد الذى يجعل القرآن معجزة خالدة .. وهذا دليل جديد على أن القرآن من
عند الله وأنه كلام الله .
نأتى بعد ذلك إلى معجزة اخرى فى اختيار رسول
الله عليه الصلاة والسلام وإعداده للرسالة .. أننا إذا تتبعنا حياة رسول
الله صلى الله عليه نجد أن الله تبارك وتعالى اختاره أمياً لا يقرأ ولا
يكتب ، ومع ذلك أجرى عليه معجزات كلها تنطق بصدق رسالته صلى الله عليه
وسلم .. أولها أنه لم يشتهر عليه الصلاة والسلام أنه نبغ فى شعر أو نثر
مثل قس بن ساعدة واكثم بن صيفي..ومن هنا كان حظ رسول الله صلى الله عليه
وسلم من البلاغة حظاً عادياً دون نبوغ
ومع ذلك فقد جاءت رسالته عليه
الصلاة والسلام تتحدى قومه فى البلاغة وفى اللغة . ولو أنه صلى الله عليه
وسلم كان مشهوراً بالشعر أو النثر أو الخطابة لقالوا أن القرآن عبقرية
ادائية لمواهب كانت موجودة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ الصغر ..
ومواهب الناس عادة كانت تظهر قبل سن العشرين أو الثلاثين إذا كانت المواهب
متأخرة، ولكنها لا تظهر فجأة على الإنسان فى سن الأربعين، ولا توجد عبقرية
تتأخر أبداً حتى الأربعين .. ولكن الناس فوجئوا بأن محمداً عليه الصلاة
والسلام الذى ما خطب ولا كتب وما قال شعراً يأتي بقرآن يعجز عنه أشهر
البلغاء ..وأكثرهم موهبة فى فن الكلام .. من أين أتى بهذا الكلام المعجز
الذى تحدى به الإنس والجن وهو فى هذه السن ؟!
بعض الناس يدعون أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان عنده الإعجاز اللغوى ..وأخفاه عن الناس حتى
سن الأربعين وبعد ذلك أظهره .. نقول ان هذا الكلام لا يتفق مع العقل ..
لأننا نعيش فى عالم أغيار يموت فيه الناس قبل سن العشرين وقبل سن الثلاثين
وقبل سن الأربعين ..فمن الذى أخبر محمداً عليه الصلاة والسلام أنه لن يموت
قبل سن الأربعين حتى يكتم هذه العبقرية إلى هذه السن ؟.. لقد مات أبوه وهو
فى بطن امه .. وماتت أمه وهو طفل صغير .. هذه المقدمات لا يمكن أن توحي
إلى محمد عليه الصلاة والسلام أن يكتم عبقريته عن الناس حتى يصل إلى هذه
السن ، لأن أباه وأمه قد ماتا وهو طفل صغير .
ولذلك عندما جاء الكفار وطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغير القرآن كما يروي لنا القرآن الكريم فى قوله تعالى:
وَإِذَا
تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ
لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ
لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا
يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ
عَظِيمٍ(15) سورة يونس
ولو أن القرآن من عند محمد عليه الصلاة والسلام
ربما بدله حتى يؤمن من كفر ، ولكن الحق سبحانه وتعالى يعلم رسوله صلى الله
عليه وسلم ليرد عليهم بالحجة البالغة:
قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا
تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ
عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(16) سورة يونس
الله سبحانه
وتعالى يعلم رسوله الكريم أن يرد على الكفار أنه عاش معهم أربعين سنة قبل
الرسالة .. لم يشتهر بينهم بالخطابة والشعر أو البلاغة .. فلو أنهم فكروا
بعقولهم لعرفوا أن هذا القرآن ليس من عند رسول الله ، بل من عند الله . ثم
من الذى ينب اليه الكمال فيرفضه ؟.. ويقول ليس من عندى .. مع أن الناس
تدّعي كمالات الغير..فكم من إنسان رأى اعجاب الناس بعمل من الأعمال .. لم
يعرف صاحبه فنسبه إلى نفسه .. بل إن الناس تتصارع على نسب الأشياء الجيدة
لنفسها .. وكم رأينا نزاعاً أمام القضاء بين أشخاص مختلفين كل منهم يدعى
ملكيته لعمل جيد.
ثم تأتى لفتة اخرى: رسول الله صلى الله عليه وسلم
الذى لم يقرأ ولم يكتب ..هل يمكن أن تكون له ثلاثة اساليب متميزة تختلف
بعضاً عن بعض تماماً .. وهى أسلوب القرآن الكريم وأسلوب الأحاديث القدسية
وأسلوب الأحاديث النبوية.. لا توجد عبقرية فى الدنيا من يوم أن خلقت إلى
يومنا هذا لها ثلاثة أساليب لكل منها طابع مميز لا يتشابه مع الأخر...كيف
يمكن أن يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتكلم بين القرآن الكريم
والحديث القدسى والحديث النبوي .. بحيث يعطى كلا منها طابعاً وأسلوباً
يميزه عن الأخر..
إن لكل شخص اسلوبه الذى يتميز به .. وأنت إذا كنت
مطلعاً فى علوم اللغة والأدب .. فبمجرد أن تقرأ الكلام تقول هذا كلام فلان
، لأن لكل شخص منا أسلوباً يميزه .. فكيف استطاع رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يقسم كلامه .. فيقول هذا قرآن وهذا حديث قدسى وهذا حديث نبوي؟؟؟
إذن
فاختلاف القرآن الكريم والأحاديث القدسية والأحاديث النبوية .. أكبر دليل
على أن القرآن والأحاديث القدسية ليست من عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم ..لأن الشخصية الأسلوبية لأى انسان هى شخصية مميزة .. ولا يمكن أن
ينفعل احد باحداث الحياة .. فيكتب كل مرة باسلوب مختلف تماماً عن الأسلوب
الآخر .. أو يكتب اليوم بأسلوب وغداً بأسلوب وبعد غد بأسلوب .. ثم يعود
بعد ذلك إلى الأسلوب الأول .. أنه إذا قرأ احدهم القرآن نقول هذا قرآن ،
وإن تلا أحدهم حديثاً قدسياً نقول هذا حديث قدسي .. وإذا قال أحدهم حديثاً
نبوياً قلنا حديث نبوي .. ولكل إنسان منا شخصية أسلوبية واحدة .. أذا حاول
أن يخرج منها فإنها تغلبه .. والفروق الهائلة فى الأساليب بين القرآن
والأحاديث القدسية والنبوية أكبر دليل على صدق رسالة محمد صلى الله عليه
وسلم .
واحتار الكفار ماذا يفعلون .. ولم يجدوا ثغرة من منطق ينفذون
منها .. فماذا قالوا؟ .. قالوا ساحر!! وكان الرد ببساطة أن المسحور ليست
له إرادة مع الساحر .. بحيث يستطيع دفع السحر عن نفسه ، وأن الساحر يسحر
من امامه رغماً عن إرادتهم...فإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم ساحراً
فلماذا لم يسحركم أنتم حتى تؤمنوا به .. وبأي شيء رددتم السحر عن أنفسكم ؟؟
إن
ادعاءكم هذا يكذب حجتكم لأن كونكم الآن جالسين تقولون ساحر فمعنى ذلك أنه
لم يسحركم .. ولو كان ساحراً حقيقياً لأجبركم بسحره على أن تتبعوه .
وقالوا
مجنون .. نقول لهم الجنون عمل بغير رتابة .. بمعنى أنك لا تستطيع أن تتنبأ
بما يفعله المجنون فى اللحظة القادمة فقد يجلس يتحدث معك وبعد دقيقة واحدة
يضربك .. وتجده يبكى وبعد ثوان قليلة يضحك .. ورد تبارك وتعالى عليهم :
ن
وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ(1) مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ
بِمَجْنُونٍ(2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ(3) وَإِنَّكَ
لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) سورة القلم
والشهادة من الله بأن رسول الله
صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم .. لا يتصادم مع ما يعرفه الكفار عنه قبل
الرسالة .. فهو بشهادتهم كان معروفاً بالصدق والأمانة والخلق الحسن وكانوا
يلقبونه بالأمين .. وكانوا يأمنونه على أموالهم وكل شىء له قيمة .. ولتعرف
كيف يتناقض الكفار مع أنفسهم نقول لهم كيف تأتمنون انساناً مجنوناً
على
أغلى ما تمتلكون؟ .. هل هذا يتمشى مع العقل .. أيذهب الإنسن بأغلى ما عنده
ويضعه عند رجل مجنون ؟..طبعاً مستحيل لا يمكن أن يكون المجنون على خلق
عظيم .
وقالوا شاعر وكاهن.. فرد القرآن الكريم بقوله تبارك وتعالى:
إِنَّهُ
لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا
تُؤْمِنُونَ(41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ(42)
سورة الحاقة
وقولهم شاعر مردود عليهم .. بأن رسول الله صلى الله عليه
وسلم لم يقل شعراً فى حياته .. والمواهب لا تأتى فجأة بل لا بد أن تصقلها
التجربة والخطأ .. تماماً كالذي يقود السيارة .. عندما يبدأ لا بد أن يكون
معه إنسان يعرف قيادة السيارة .. ويعلمه فيخطيء ويصيب .. ثم بعد ذلك يقود
السيارة ..
ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانت عنده ملكة الشعر ولا
دربه أحد عليه .. اما قولهم كاهن فالإنسان ينسى بمرور الوقت ، لذلك قيل
إذا كنت كذوباً فكن ذكوراً.
وإذا أردنا أن نعرف الحقيقة فإننا نسأل
الإنسان على فترات .. فإن كان كاذباً فإنه يتخبط فى اقواله .. ورسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب .. كان ينزل عليه الوحي
بالآيات فيتلوها على اصحابه .. ثم يؤذن للصلاة بعد ذلك بساعات .. فيتلو
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الصلاة.. الآيات التى نزلت عليه دون أن
يتغير منها حرف واحد .. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى :
"قليلا ما
تذكرون " .. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان يأتي بالقرآن من
عنده لنسي ولغير وبدل .. لأن الذاكرة لا يمكن أن تستوعب بنفس الألفاظ ما
قالته. ولو أنك جئت بانسان وطلبت منه أن يتحدث فى موضوع معين وسجلته له ..
ثم طلبت منه ان يعيد بعد نصف ساعة ما قاله .. لا يمكن أن يأتي بنفس الكلام
أو بنفس الألفاظ أو بنفس الترتيب.
والحق سبحانه وتعالى يعطى رسله منهجه بالوحي .. ويكون عطاؤه غيبياً لأن الله غيب .. فالله سبحانه وتعالى يقول :
وَمَا
كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء
حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ
عَلِيٌّ حَكِيمٌ(51) سورة الشورى
وذلك لأن التكوين البشري لا يمكن أن
يستقبل من الله مباشرة .. والوحي إعلام بخفاء ، ولكى نقرب المعنى من
الأذهان .. نقول أنك لو كنت لا تريد أن تقابل ضيفاً ثقيلاً فإنك تتفق مع
خادمك على إشارة معينة .. فإذا جاء وأخبرك أمام الحاضرين بأن فلان وصل ..
تعطيه إشارة فلا يدخل إلى المنزل .. هذه الإشارة المتفق عليها .. لا
يفهمها أحد من الحاضرين ولا يعرف معناها ..
هذا هو معنى الوحي إعلام
بخفاء .. لا يفهمه إحد إلا الموحِي ومن يوحَى إليه .. والوحي ما دام
إعلاماً بخفاء فإنه يقتضى موجهاً .. وموحَى إليه وموحَى به ..


*** يتبع بحول الله ***

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 16:06

...........................................
هذا
هو معنى الوحي إعلام بخفاء .. لا يفهمه إحد إلا الموحِي ومن يوحَى إليه ..
والوحي ما دام إعلاماً بخفاء فإنه يقتضى موجهاً .. وموحَى إليه وموحَى به
..

ولقد أوحى الله للرسل وأوحى إلى غير الرسل .. فأوحى للملائكة
وإلى أم موسى وإلى الحواريين وللنحل وللأرض .. وهناك وحي من الشيطان
لأوليائه هذا هو الوحي اللغوي .. أما الوحي الشرعي فيكون وحياً من الله
لرسله .وكان وحي الله لموسى عليه السلام أن كلمه من وراء حجاب .. وكان وحي
الحق جل جلاله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. بأن ارسل له جبريل
عليه السلام .. ويجىء الملك بالوحي فيسمع رسول الله عليه الصلاة والسلام
صلصلة الجرس تنبيهاً .. ويتم اللقاء بين جبريل والرسول فتتغير كيماويات
جسد الرسول .. حتى أنه حينما جاءه الوحي لامست ركبته الشريفة ركبة صحابي
كان يجلس بجواره فأحس كأنها جبل .. وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
راكباً الناقة .. فتنام او تبرك الناقة على الأرض ولا تستطيع السير ..
وكانت لفتة اخرى من الله تبارك وتعالى .. إنه لا تناقض مطلقاً بين القرآن
وبين العلم ..فإذا جاءت نظرية علمية تناقض القرآن الكريم .. فالقرآن على
حق والنظرية على باطل .. وهناك نظريات أخفاها الله سبحانه وتعالى عنا ..
ولكن إخفاءه لها لا يضرنا بشيء
فالشمس ينتفع بها كل الناس ولا يعلم
حقيقتها أحد .. وكذلك الظواهر الكونية الأخرى .. فكل ما أخفاه الله عنا هو
جهل لا يضر ولا يقلل انتفاعنا بالكون.

والقرآن كلام الله لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. ولقد حمل منهج الله للبشر ليحمي حركة
الإنسان الإختيارية فى الكون .. وما دام الإنسان يلتزم حياته بالقرآن
الكريم فإنه يستمتع بالجمال فى الكون .. أما إذا خالفه فيكون الإنسان قد
سعى إلى شقائه . ولقد ظهرت الداءات والأمراض فى المجتمعات عندما خالف
الإنسان منهج السماء ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى :
وَنُنَزِّلُ
مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ
يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً(82) سورة الإسراء
لماذا قدم
الله سبحانه وتعالى الشفاء على الرحمة .. لأن الرحمة تقي الناس من أي شر
قادم ولكن لا بد من الشفاء أولاً .. وعندما نزل القرآن كانت الأمراض
والداءات تملأ المجتمعات .. الظلم وأكل حقوق الناس واستعباد الإنسان
للإنسان وغير ذلك من أمراض المجتمع .. فجاء الأسلام أولاً ليشفي هذه
الأمراض إذا اتبع منهجه .. ثم بعد ذلك تأتي الرحمة وتمنع عودة هذه الداءات
. فإذا حدثت غفلة عن منهج الله .. جاءت الداءات والأمراض .. فإذا عدت إلى
صيدلية القرآن تأخذ منها الدواء يتم الشفاء

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 16:06

"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"

طلب الله سبحانه وتعالى من كل مؤمن ان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ..
قبل ان يقرأ القرآن .. إذن فالإستعاذة هى أول التقاء.. بين المؤمن وبين بداية قراءته للقرآن الكريم والله سبحانه وتعالى يقول :
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(98) سورة النحل
وواضح
أن الآية الكريمة .. تطلب منا الإستعاذة بالله من الشيطان قبل أن نقرأ
القرآن .. ذلك أن كل مخلوق إذا اتجه إلى خالقه واستعاذ به يكون هو الأقوى
برغم ضعفه وهو الغالب برغم عدم قدرته .. لأن الله عندما يكون معك . تكون
قدرتك وقوتك فوق كل قدرة وأعلى من كل قوة .. لأنك جعلت الله سبحانه وتعالى
فى جانبك . ونحن حين نقرأ القرآن لا بد أن نصفّي جهاز استقبالنا لحسن
استقبال كلام الله .وفى هذه الحالة لا نفعل ذلك بقدراتنا نحن ولا بقوتنا
.. ولكن بالإستعانة بقوة وقدرة الله .. لماذا ؟ لأن معوقات المنهج عند
الإنسان المؤمن إنما هى من عمل الشيطان.
وإبليس يأتى دائماً من الباب
الذى يرى فيه المنهج ضعيفاً .. فإذا وجد إنساناً متشدداً فى ناحية يأتي له
من ناحية اخرى . فلو أن العبد المؤمن متشدد فى الصلاة .. يحافظ عليها
ويؤديها فى اوقاتها ، جاءه إبليس من ناحية المال . يوسوس له بألا يخرج
الزكاة لأنها ستؤدي به إلى الفقر .. ويوسوس له أن يأكل حقوق الناس
..مدخلاً السرور إلى نفسه بالوهم بأنه سيصبح غنياً آمناً مطمئناً على غده
.. وهذا كذب
والحقيقة هى التى رواها لنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم حين قال: (ما نقص مال من صدقة ) رواه أحمد ومسلم والترمذى عن أبي
هريرة وتتمه الحديث "وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله
الا رفعه" والصدقة هى التى تكثر المال وتضع فيه البركة فيزداد وينمو ..
والمال هو مال الله ينتقل من يد إلى يد فى الدنيا .. ثم يموت الإنسان
ويتركه..ولكن ابليس يستغل غفلة الناس عن هذه الحقيقة ليدفعهم إلى المال
الحرام .. فإذا كان الإنسان متشدداً من ناحية المال .. جاءه من ناحية
المرأة فيظل يزين له امرأة خليعة .. يوسوس له حتى يسقط فى الزنا .. وإن
كان قوياً فى هذه النواحى كلها .. زين له إبليس الخمر او مجلس السوء او
النميمة ..المهم أن إبليس يظل يدور حول نقط الضعف فى الإنسان ليسقطه فى
المعصية .
ولذلك فإن الإستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ، إنما تجعل
الله سبحانه وتعالى يقوي نقط الضعف فيك . فلا يستطيع الشيطان أن ينفذ اليك
وأنت تقرأ القرآن ليضع فى رأسك هواجس تلهيك عن هذه القرآءة .. ذلك عطاء
الله فى القرآن يساوي بين جميع الخلق .. فعطاء القرآن متساو ولكن كل إنسان
يأخذ قدر ايمانه .. فالقرآن يقرأ والناس تسمع ولكن هل يتقبل الجميع القرآن
تقبلاً متساوياً ؟ نقول لا ..فقد قال الله سبحانه وتعالى
ومنهم من
يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا
أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم(16) سورة محمد
أي أن القرآن لم يؤثر فيهم .. ولكنه أثر فى المؤمنين الذين استمعوا إليه مصداقاً لقوله جل جلاله :
وَلَوْ
جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِياًّ لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ
أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ
وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ
عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ(44) سورة فصلت
فالقرآن
عطاؤه للجميع ولكن المهم من يستقبله .. وكيف يستقبله عندما يتلى عليه ..
والله سبحانه وتعالى يريدنا عندما نقرأ القرآن .. أن نبعد الشيطان عن
أنفسنا قبل أن يبعدنا هو عن منهج الله وعن آياته .. وبما أننا لا نرى
الشيطان وهو يرانا .. ولا نعرف أين هو بينما هو يعرف أين نحن .. مصداقاً
لقوله تبارك وتعالى :
يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ
الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ يَنزِعُ
عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ
هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا
الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ(27) سورة الأعراف
فلا
بد أن تستعيذ بقوة تستطيع ان تقهر الشيطان وتدمره .الله سبحانه وتعالى طلب
منا أن نستعيذ به وأن نلجأ إليه لأنه هو القادر على أن يحمينا .. ويصفي
قلوبنا ونفوسنا من همزات الشياطين فيحسن استقبالنا للقرآن الكريم .. لأنه
إذا صفيت نفسك لأستقبال القرآن .. فإن آياته الكريمة تمس قلبك ونفسك وتكون
لك هدى ونور
والشيطان قد قضى الله سبحانه وتعالى فى أمره فطرده من
رحمته رجيماً مبعداً .. والشيطان يعرف أن مصيره النار ويعتقد أن آدم هو
السبب .. لأن بداية المعصية كانت رفض إبليس طاعة أمر الله فى السجود لآدم
.. وقال كما يروي لنا القرآن الكريم .
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ
تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن
نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ(12) سورة الأعراف
وكانت معصية إبليس فى
القمة .. لأنه رد الأمر على الآمر .. وقال لن أطيع ولن أسجد لآدم لأنني
خير منه .. هو من طين وأنا من نار .. فكأنه لم يرض بحكم الله سبحانه
وتعالى وأراد ان يعدله . وهذه معصية فى القمة.. جعلت الله تبارك وتعالى
يطرد إبليس من رحمته .. ويصفه بأنه رجيم .. وذلك حتى نعرف أن مصيره النار
وأن الله لن يغفر له .
وبدأ إبليس بغواية آدم عليه السلام .. فآدم عاش
فى جنة تعطيه مقومات حياته بلا تعب وبلا عمل .. وكان فى الجنة ألوف
الأشجار تعطى كل الثمرات وهى حلال لآدم وحواء يأكلان منها ما يشاءان .. ما
عدا شجرة واحدة حرمها الله عليهما ..وكانت هذه الشجرة هى بداية الخطيئة
..بدأ إبليس يغري آدم وحواء على المعصية .. كيف ؟ .. حاول إقناعهما بأن
عدم الأكل من هذه الشجرة .. سيحرمهما من خير كبير .. واقرأ قول القرآن
الكريم:
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا
وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا
عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا
مِنَ الْخَالِدِينَ(20) سورة الأعراف
وفى إغواء أخر:
"فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى(120) سورة طه
وهكذا
نعرف أن إبليس يأتي للإنسان من أكثر من زاوية .. لذلك كانت الزاوية الأولى
هي أن هذه الشجرة من يأكل منها يكون ملكاً أو يكون خالداً .. وكان الإغواء
الثاني أن هذه الشجرة تعطى لمن يأكل منها بجانب الخلود ملكاً لا ينتهي .
إذن
فإبليس يصور للإنسان .. أن ما منعه الله عنه هو الخير .. وأنه لو عصى
فسيحصل على المال والنفوذ .. لقد أكل آدم وحواء من الشجرة . فلم يخلدا ولم
يأت لهما مُللك لا ينتهي . بل ظهرت عوراتهما وعرفا أن ابليس كان كاذباً ..
وأن الله سبحانه وتعالى بمنهجه وما ينهانا عنه إنما كان يريد لهما الخير .
ولكن
الشيطان يأتي ويزين للانسان طريق الباطل .. ولو أن آدم كان قد حكّم عقله
لعرف كذب وسوسة ابليس.. فإبليس كما يدعي كان يدل آدم على شجرة الخلد ..
ولو أن هذه الشجرة كانت تعطي الخلد فعلاً .. لما طلب إبليس من الله تبارك
وتعالى أن يبقي على حياته إلى يوم القيامة .. بل لأكل من الشجرة ونال
الخلد.
ولكن إبليس دخل من ناحية الغفلة فى النفس البشرية ليوقع آدم فى
المعصية .. وهو يدخل إلى أبناء آدم من ناحية الغفلة أيضاً. ولو أن ابناء
آدم حكموا عقولهم وهم يعرفون أن هناك عداوة مسبقة بين آدم وابليس .. وأن
إبليس طلب من الله سبحانه وتعالى أن يبقيه إلى يوم القيامة لينتقم من آدم
وأولاده بإغوائهم على المعصية .. لو تنبهنا إلى ذلك لأخذنا حذرنا ..
وعندما تنكشف وسوسة الشيطان فإنه يهرب
إبليس دخل إلى ناحية الغواية
بأن أقسم بعزة الله .. وأن الله عزيز لا يحتاج لخلقه ولا يضره سبحانه
وتعالى من كفر ولا يزيد شيئاً فى ملكه من آمن ..
إستغل عزة الله فى استغنائه عن خلقه فقال كما يروي لنا القرآن الكريم
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) سوءة ص
ولكن الحق تبارك وتعالى أخبرنا أنه طرد ابليس من رحمته وسماه رجيماً حتى نعرف جميعاً أنه لن يدخل فى رحمة الله ابداً.
إبليس
دخل إلى غواية بني آدم بعزة الله سبحانه وتعالى عن خلقه .. فلو أن الله
أراد خلقه جميعاً مهديين .. ما استطاع إبليس أن يتقدم ناحية واحد منهم ..
واقرأ قوله سبحانه ..
إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين(4) سورة الشعراء
إذن
الله سبحانه وتعالى .. هو الذى أعطى للإنسان حق الإختيار ولو شاء لجعله
مقهوراً على الطاعة كباقي الخلق .. من نقطة الإختيار هذه وقوله تبارك
وتعالى :
وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن
شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ
بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ
يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً(29) سورة الكهف
إذن
فالله سبحانه وتعالى بين لنا طريق الهداية وطريق المعصية .. ثم ترك لنا أن
نختار طاعة الله ورحمته .. أو معصية الله وعذابه .. ولم يعطنا الحق تبارك
وتعالى هذا الإختيار إلا فترة محدودة هى حياتنا فى الدنيا .. فعندما يحتضر
الإنسان تخمد بشريته .. ويصبح لا اختيار له. كما أن الله جل جلاله لم
يعطنا الإختيار فى كل أحداث الدنيا .. بل اعطاه لنا فى المنهج فقط فى
الطاعة أو المعصية.
ولكي نتقي الشيطان فى حياتنا شرح لنا القرآن الكريم كيف سيغوي إبليس بني آدم .. واقرأ القرآن الكريم :
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16) سورة الأعراف
أي
أن إبليس لا يجتهد فى إغواء من باع نفسه للمعصية .. وانطلق يخالف كل ما
أمر به الله .. فالنفس الأمارة بالسوء لها شيطانها.. وهى ليست محتاجة إلى
إغواء لأنها تأمر صاحبها بالسوء .. ولذلك فإن إبليس لا يذهب إلى الخمارات
وبيوت الدعارة ويبذل جهداً فى إغواء من يجلسون فيها ..لأن كل من ذهب إلى
هذه الأماكن ..هو من شياطين الإنس.. ولكن إبليس يذهب إلى مهابط الطاعة
وأماكن العبادة .. هؤلاء يبذل معهم كل جهده وكل حيلة ليصرفهم عن عبادة
الله، ولذلك لا بد أن ننتبه إلى أن إبليس لم يقل لهم على الطريق
المعوج..فالطريق المعوج بطبيعته يتبع الشيطان ..فإبليس يريد أهل الطاعة ..
ويزين لهم المعصية ويغريهم بالمال الحرام
القرآن الكريم يقول
ثُمَّ
لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ
أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ
شَاكِرِينَ(17) سورة الأعراف
هذه هى جهات الغواية التى يأتى منها إبليس
.. من بين أيديهم أي من أمامهم وهذه هى الجهة الأولى ومن خلفهم أي من
ورائهم وهذه هى الجهة الثانية ..وعن أيمانهم أي من اليمين وهذه هى الجهة
الثالثة .. وعن شمائلهم أي من الشمال وهذه هى الجهة الرابعة.. وكلنا نعلم
أن الجهات ست وليست اربعاً .. فما هما الجهتان اللتان لا يأتي منهما
الشيطان؟ .. هما فوق وتحت .. هرب إبليس من هاتين الجهتين بالذات .. ولم
يقل سآتي لهم من فوقهم أو من تحتهم ، لأنه يعلم أن الجهة العليا تمثل
الفوقية الإلهية .. وأن الجهة السفلى تمثل العبودية البشرية حينما يسجد
الإنسان لله .. ولذلك ابتعد إبليس عن هاتين الجهتين تماماً.
ومن العجب
أنك إذا نظرت إلى أبواق الإلحاد فى كل عصر .. تجدها تأتى من الجهات التى
يأتي منها الشيطان .. يقولون: تقدمي جهة الأمام ..ورجعي جهة الخلف ويميني
جهة اليمين ويساري جهة اليسار .. نقول لهم نحن لسنا في أية جهة من هذه
الجهات. لا تقدميين ندعو إلى التحلل والفجور .. ولا رجعيين نقول هذا ما
وجدنا عليه آباءنا . ولا يساريين ننكر الدين ونناصر الكفر .. ولا يمينيين
نؤمن بالرأسمالية واستغلال الإنسان .. ولكننا أمة محمدية فوقية كل أمورنا
من الله وما دامت أمورنا من الله سبحانه وتعالى فنحن لا نخضع لمساوٍ لنا
ولكننا نخضع لله العلى القدير وما دمت تخضع لأعلى منك فلا ذلة أبداً بل
عزة ورفعه مصداقا لقوله تبارك وتعالى
يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا
إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ
الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ(8) سورة المنافقون
ونحن أمة محمدية
فوقية .. نعلن عبوديتنا وخضوعنا لله .. ونتبع منهج السماء .. ولذلك فقد
تميزنا عن البشر جميعاً لأن كل إنسان فى الدنيا لا يخضع لله سبحانه وتعالى
ولا يأخذ منهجه عنه فهو خاضع لمنهج بشرى وضعه مساوٍ له من البشر .. والنفس
البشرية لها هوى تريد أن تحققه . لذلك فهى تضع المنهج الذى يمكنها من أن
تتميز به على الناس .. المنهج الذى تستفيد منه هى وحدها.. وقد يكون المنهج
من وضع مجموعة أفراد أو طبقة .. نقول أن مناهجهم لفائدتهم .. ولكن الله
سبحانه وتعالى يضع منهجه ليعطيك خيراً .. لا ليأخذ منك الخير لأنه جل
جلاله مصدر الخير كله وهو ليس محتاجاً لما تملك ولا ما يملك البشر. اذن
العدل والخير والعزة هى منهج السماء فالله لا يأخذ منك ولكن يعطيك ولا
يذلك ولكن يعزك.
على أن هناك لفتة .. لا بد أن ننتبه إليها . ...

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 16:07

على أن هناك لفتة .. لا بد أن ننتبه إليها
فهذه
الفوقية هى التى جعلت الله سبحانه وتعالى يختار أمة أمية .. ليجعل فيها
آخر صلة للسماء بالأرض ويختار من هذه الأمة رسولاً أمياً .. أي كما ولدته
أمه لم يأخذ ثقافة من مساوية..لم يتثقف على الشرق أو على الغرب ولم يقرأ
لفلان فيتأثر به .. أو لفيلسوف فيتبعه ولكن الذى علمه هو الله جل جلاله
إذن
فالأمية شرف لرسول الله صلى الله عليه وسلم ..لكنها تؤكد أن كل ما جاء به
هو من الله سبحانه وتعالى ولذلك فكل ما يأتي به معجزة لأنه وحي السماء
..فلو أن القرآن نزل على أمة متحضرة كالفرس او الروم .. أو على نبس غير
أمس ..قد قرأ كتب الفلاسفة والعلماء من الشرق والغرب .. لقيل ان "القرآن
إلتقاء حضارات وهبات عقل وإصلاحات ليقود الناس حركة حياتهم" ولكن لا. هى
أمة أمية – رسول أمي.. تأكيداً لصلتها بالسماء .. وأن ما جاء به محمد عليه
الصلاة والسلام لا دخل لبشر ولا ثقافة ولا حضارة به. وهو ليس من معطيات
عقول البشر.. ولكنه من الحق تبارك وتعالى ..ليصبح محمد صلى الله عليه وسلم
وهو الرسول الأمي معلماً للبشرية كلها .
وهكذا نعرف أن الشيطان لا
يستطيع أن يقترب من مكان صعود الصلاة وصالح الأعمال إلى السماء ومن مكان
الخضوع والعبودية لله سبحانه وتعالى

وقد أصر الشيطان على غواية
الإنسان .. حتى لا يكون هو العاصي الوحيد. فما دام عصى وطرد من رحمة الله
لماذا يكون هو العاصي الوحيد؟.. لماذا لا يكون الكل عاصياً؟.. وإذا كانت
معصية الشيطان بسبب عدم السجود لآدم .. فلماذا لا يأخذ أولاد آدم معه إلى
النار؟ انتقاماً منهم ومن أبيهم. بعض الناس يقول ..إبليس عصى وآدم عصى
والله سبحانه وتعالى طرد إبليس من رحمته وغفر لآدم .. نقول أن هناك فرق
بين معصية ومعصية. معصية إبليس كانت معصية فى القمة .. ترد الأمر على
الآمر .تقول لا ..لن اسجد ولن اطيع لأنني من نار وهو من طين .. فكأنه رد
الأمر على الآمر.. أما آدم فقال : يا رب أمرك الحق .. وقولك الحق ومنهجك
الحق .. ولكني ضعيف لم أستطع أن أحمل نفسي على الطاعة .. فسامح ضعفي يا
رب، ولذلك شرع له الله سبحانه وتعالى التوبة . وعلمه كلمات ليتوب عليه .

إذن
فهناك فرق بين معصيتين .معصية تقول لن أطيع لأنني خير منه .. ومعصية يعترف
فيها العبد بالخطأ والضعف ويتجه إلى الله طالباً التوبة والغفران. وبرغم
أن الله سبحانه وتعالى قد أبلغنا فى القرآن الكريم أن الشيطان عدو لنا ..
فى قوله
إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً
إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ(6) سورة
فاطر
فإن الإنسان لا يحتاط.. ولذلك فى كل مرة نقرأ فيها القرآن .. يريد
الله سبحانه وتعالى .. أن نستعيذ به من الشيطان الرجيم .. حتى إذا كان
الشيطان قد مسنا او غلبنا فى حدث من أحداث الحياة ..فإن الله سبحانه
وتعالى يبعده عنا ونحن نقرأ القرآن ..حتى تصفوا قلوبنا ونكون قد أبعدنا
الشيطان .. وما حاول أن يوسوسه لنا ليبعدنا عن المنهج .

عندما
نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم .. فهناك مستعاذ به وهو الله تبارك وتعالى
من الشيطان .. والشيطان من خلق الله وأنت من خلق الله . فمن الممكن أن
ينفرد خلق الله بخلق الله، ويكون القوي بقوته . أما إذا إلتحم أحدهما
بخالقه فالثاني لا يقدر عليه. وأنت إذا تركت نفسك للشيطان .. إنفرد بك.
ولذلك تستعيذ بالله الذى خلقك وخلق الشيطان .. فيعينك عليه .. ولذلك حين
تجد قوماً مؤمنين وقوماً كافرين ..إن ظل المؤمنون موصولين بربهم لا يهزمهم
الكفار ابداً .. فإذا بعدوا عن منهج الله .. يهزمهم الكفار.. لأنه فى هذه
الحالة يكون القتال بين فئتين ابتعدتا عن الله .. إذن فعندما ينفرد خلق
بخلق .. فالقوي هو الذى يغلب . أما إذا احتمى خلق بخالقهم فلا يقدر عليهم
أحد. البشر يقدر على البشر إذا بعدت الفئتان عن الله .. فإن كانت الفئتان
معتصمتين بالله .. فلن يتقاتلا.

والحق تبارك وتعالى .. يريدك حين
تقرأ القرآن أن تصفى جهاز استقبالك تصفية تضمن حسن استقبالك للقرآن .. بأن
تبعد عنك نزغ الشيطان .. حينئذ تستقبل القرآن بصفاء .. وتأخذ منه كل عطاء
فإذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم تكون فى جانب الله فلا يأتيك الشيطان
ابداً .. ولذلك سيأتي الشيطان يوم القيامة ليقول لمن اغواهم كما يروي لنا
القرآن الكريم :
وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ
اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا
كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ
فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ
بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا
أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ(22) سورة ابراهيم
إذن فالشيطان ليس له سلطان على الإنسان أن
يقهره على فعل لا يريده ..أي ليس له سلطان القهر وليس له سلطان على أن
يقنع الإنسان بالمعصية .. وهذا إسمه سلطان الحجة .. فالسلطان نوعان .. قهر
لمن يريد الفعل وإقناع يجعلك تقبل الفعل وأنت راض .. الشيطان ليس له سلطان
القهر على عمل لا تريده وليس له سلطان الحجة .. ليقنعنا بأن نفعل ما لا
نريد ان نفعله .. ولكن المسألة أن وسوسة الشيطان .. وجدت هوى فى نفوسنا
فتبعناه.

والله سبحانه وتعالى يريد أن يمنع عنا هذه الوسوسة ..
ونحن نقرأ القرآن الكريم .. ولكن الحق سبحانه وتعالى هو الذى خلق الشيطان
.. وهو الذى أعطاه القدرة على أن يوسوس للانسان .. لماذا؟.. لأنه لو أن
الطاعة وجدت بدون مقاوم لا تظهر حرارة الايمان .. ولا قوة الإقبال على
التكليف .. وإنما عندما يوجد إغراء والحاح فى الإغراء .. وأنت متمسك
بالطاعة فذلك دليل على قوة الإيمان ..تماماً كما أنك لا تعرف قوة أمانة
موظف إلا إذا أغريته برشوة فلو أنه لو لم يتعرض لهذا الإغراء .. فلن تختبر
أمانته ابداً ولكن إذا تعرض للأغراء .. وتمسك بأمانته ونزاهته فهذه هى
الأمانة...

والله سبحانه وتعالى أعطانا الإختيار لأنه يريد من خلقه
من يطيعه وهو قادر على معصيته .. ويؤمن به وهو قادر على عدم الايمان ..
لأن هذه تثبت صفة المحبوبية لله . الخلق المقهور لله يأتي له قهراً .. لا
يقدر على المعصية .. وهذا يثبت القهر والجبروت لله ولكن الحق سبحانه
وتعالى أراد خلقاً يأتيه عن حب .. وقد يكون هذا الحب من أجل عطاء الله فى
الآخرة ونعيمه وجنته فلا يضن الله على عباده بها .. وقد يكون عن حب لذات
الله . لذلك يقول بعض أهل الصفاء فى معنى الآية الكريمة
قُلْ إِنَّمَا
أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ
وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً
صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) سورة الكهف
يقولون
أن الجنة أحد .. لأن الحق سبحانه وتعالى قال " من كان يريد لقاء ربه" ..
أي الأنس بلقاء الله .. فإن كنت تعمل للذات وليس للعطاءات .. فإنك تكون فى
أُنس الله يوم القيامة .. والذى عمل للجنة سيأخذها .. والذى عمل لما فوق
الجنة يأخذه
أو لم يخلق الله تعالى جنة ونار ، أما كان اهلاً لأن
يعبد ؟! ولقد قالت رابعة العدوية :" اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك طمعاً فى
جنتك فاحرمني منها ، وإن كنت تعلم أني أعبدك خوفاً من نارك فأرسلني فيها ،
أنا أعبدك لأنك تستحق أن تُعبد "

والحق سبحانه وتعالى : يريدك
عندما تقرأ القرآن .. أن تصفي نفسك له سبحانه وتعالى وهو جل جلاله يعلم
مكائد الشيطان ومداخله إلى النفس البشرية وأنه سيوسوس لك ما يفسد عليك
فطرتك الإيمانية .. فيأتي القرآن على فطرة فسدت فلا يحدث إستقبال لفيوضاته
على النفس البشرية .. ولكن إذا استعذت بالله فقد استعذت بخالق .. فلا يجرؤ
الخلق على الإقتراب منك ولذلك إن اردت من جهاز استقبالك أن يكون صالحاً
لصفاءات الإرسال سامعاً لكلام الله .. لأن الله هو الذى يتكلم .. فالقرآن
ليس كلام القارىء له ولكنه كلام الله سبحانه وتعالى ..

ولذلك قال
سيدنا جعفر الصادق رضي الله عنه .. وكان أكثر آل بيت رسول الله معرفة
باسرار القرآن الكريم .. إن مفزعات الحياة عند الإنسان ..الخوف والغم
والهم والضر وزوال النعمة.. قال عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قول الله
سبحانه وتعالى : حسبنا الله ونعم الوكيل . فقد سمعت الله بعده يقول "
فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء " وعجبت لمن ابتلي بالضر ولم
يفزع إلى قول الله سبحانه وتعالى " إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين" فقد
سمعت الله بعده يقول " فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر ". وعجبت لمن ابتلي
بالغم كيف لم يفزع إلى قول الله تعالى " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من
الظالمين" فقد سمعت الله بعده يقول " فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك
ننجي المؤمنين " وعجبت لمن أُضير .. ولم يفزع لقول الله سبحانه وتعالى "
وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد " فقد سمعت الله تعالى بعدها
يقول " فوقاه سيئات ما مكروا"
وأنت ما دمت فى معية خالقك لا يجرؤ الشيطان أن يذهب إليك أبداً

وحين
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غار ثور ومعه أبو بكر الصديق رضي
الله عنه يوم الهجرة .. والكفار عند مدخل الغار بسلاحهم .. ماذا قال أبو
بكر رضي الله عنه ؟ قال لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا .. وهذا واقع لا
يكذب إلا بصفاء إيماني .. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبه
: ما ظنك باثنين الله ثالثهما وما تشير اليه الآية الكريمة بقوله تعالى :
لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا(40) سورة التوبة

إذن
فرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله عنه كلاهما فى معية
الله ولكن هل كونهما فى معية الله رد على قول أبي بكر : لو نظر أحدهم تحت
قدميه لرآنا .. نقول نعم .. لأنهما فى معية الله – والله لا تدركه الأبصار
– فلا تدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر الأبصار كذلك ما داما
فى معية ا

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 16:07

سورة الفاتحة

سورة رقم 1

وآياتها 7


بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)

إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
(6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ

عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)





بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)

القرآن
الكريم منذ اللحظة التي نزل فيها .. نزل مقرونا بسم الله سبحانه وتعالى ـ
ولذلك حينما نتلوه فإننا نبدأ نفس البداية التي أرادها الله تبارك وتعالى
ـ وهي أن تكون البداية بسم الله. وأول الكلمات التى نطق بها الوحي لمحمد
صلى الله عليه وسلم كانت "اقرأ بسم ربك الذي خلق". وهكذا كانت بداية نزول
القرآن الكريم ليمارس مهمته في الكون .. هي بسم الله. ونحن الآن حينما
نقرأ القرآن نبدأ نفس البداية. ولقد كان محمد عليه الصلاة والسلام في غار
حراء حينما جاءه جبريل وكان أول لقاء بين الملك الذي يحمل الوحي بالقرآن
.. وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الحق تبارك وتعالى: "اقرأ".

واقرأ
تتطلب أن يكون الإنسان .. إما حافظا لشيء يحفظه، أو أمامه شيء مكتوب
ليقرأه .. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حافظا لشيء يقرؤه ..
وما كان أمامه كتاب ليقرأ منه .. وحتى لو كان أمامه كتاب فهو أمي لا يقرأ
ولا يكتب.

وعندما قال جبريل: "اقرأ" .. قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم ما أنا بقارئ .. وكان الرسول الله صلى الله عليه وسلم منطقيا مع
قدراته. وتردد القول ثلاث مرات .. جبريل عليه السلام بوحي من الله سبحانه
وتعالى يقول للرسول "اقرأ" ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما أنا
بقارئ .. ولقد أخذ خصوم الإسلام هذه النقطة .. وقالوا كيف يقول الله
لرسوله اقرأ ويرد الرسول ما أنا بقارئ.

نقول إن الله تبارك
وتعالى .. كان يتحدث بقدراته التي تقول للشيء كن فيكون، بينما رسول الله
صلى الله عليه وسلم كان يتحدث ببشريته التي تقول أنه لا يستطيع أن يقرأ
ولا يكتب لتجعله معلما للبشرية كلها إلي يوم القيامة .. لأن كل البشر
يعلمهم بشر .. ولكن محمد صلى الله عليه وسلم سيعلمه الله سبحانه وتعالى.
ليكون معلما لأكبر علماء البشر .. يأخذون عنه العلم والمعرفة. لذلك جاء
الجواب من الله سبحانه وتعالى



اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2)

سورة العلق



أي
أن الله سبحانه وتعالى. الذي خلق من عدم. سيجعلك تقرأ على الناس ما يعجز
علماء الدنيا وحضارات الدنيا على أن يأتوا بمثله .. وسيكون ما تقرأه وأنت
النبي الأمي إعجازا .. ليس لهؤلاء الذين سيسمعونه منك لحظة نزوله. ولكن
للدنيا كلها وليس في الوقت الذي ينزل فيه فقط، ولكن حتى قيام الساعة،
ولذلك قال جل جلاله



اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)

سورة العلق



أي
أن الذي ستقرؤه يا محمد .. سيظل معلما للإنسانية كلها إلي نهاية الدنيا
على الأرض .. ولأن المعلم هو الله سبحانه وتعالى قال: "اقرأ وربك الأكرم"
مستخدما صيغة المبالغة. فهناك كريم وأكرم .. فأنت حين تتعلم من بشر فهذا
دليل على كرم الله جل جلاله .. لأنه يسر لك العلم على يد بشر مثلك .. أما
إذا كان الله هو الذي سيعلمك .. يكون "أكرم" .. لأن ربك قد رفعك درجة
عالية ليعلمك هو سبحانه وتعالى ..

والحق يريد أن يلفتنا إلي أن
محمدا عليه الصلاة والسلام لا يقرأ القرآن لأنه تعلم القراءة، ولكنه يقرأه
بسم الله، ومادام بسم الله .. فلا يهم أن يكون رسول الله صلى الله عليه
وسلم تعلم من بشر أو لم يتعلم. لأن الذي علمه هو الله .. وعلمه فوق مستوى
البشرية كلها.

على أننا نبدأ أيضا تلاوة القرآن بسم الله .. لأن
الله تبارك وتعالى هو الذي أنزله لنا .. ويسر لنا أن نعرفه ونتلوه ..
فالأمر لله علما وقدرة ومعرفة .. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى



قُل
لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ
فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(16)

سورة يونس



لذلك
أنت تقرأ القرآن بسم الله .. لأنه جل جلاله هو الذي يسره لك كلاما وتنزيلا
وقراءة .. ولكن هل نحن مطالبون أن نبدأ فقط تلاوة القرآن بسم الله؟ إننا
مطالبون أن نبدأ كل عمل بسم الله .. لأننا لابد أن نحترم عطاء الله في
كونه. فحين نزرع الأرض مثلا .. لابد أن نبدأ بسم الله .. لأننا لم نخلق
الأرض التي نحرثها .. ولا خلقنا البذرة التي نبذرها. ولا أنزلنا الماء من
السماء لينمو الزرع

أن الفلاح الذي يمسك الفأس ويرمي البذرة قد
يكون أجهل الناس بعناصر الأرض ومحتويات البذرة وما يفعله الماء في التربة
لينمو الزرع .. إن كل ما يفعله الإنسان هو أنه يعمل فكره المخلوق من الله
في المادة المخلوقة من الله .. بالطاقة التي أوجدها الله في أجسادنا ليتم
الزرع. والإنسان لا قدرة له على إرغام الأرض لتعطيه الثمار .. ولا قدرة له
على خلق الحبة لتنمو وتصبح شجرة. ولا سلطان له على إنزال الماء من السماء
.. فكأنه حين يبدأ العمل بسم الله، يبدؤه بسم الله الذي سخر له الأرض ..
وسخر له الحب، وسخر له الماء، وكلها لا قدرة له عليها .. ولا تدخل في
طاقته ولا في استطاعته .. فكأنه يعلن أنه يدخل على هذه الأشياء جميعا بسم
من سخرها له ..

والله تبارك وتعالى سخر لنا الكون جميعا وأعطانا
الدليل على ذلك. فلا تعتقد أن لك قدرة أو ذاتية في هذا الكون .. ولا تعتقد
أن الأسباب والقوانين في الكون لها ذاتية. بل هي تعمل بقدرة خالقها. الذي
إن شاء أجراها وإن شاء أوقفها.

الجمل الضخم والفيل الهائل
المستأنس قد يقودهما طفل صغير فيطيعانه. ولكن الحية صغيرة الحجم لا يقوى
أي إنسان على أن يستأنسها. ولو كنا نفعل ذلك بقدراتنا .. لكان استئناس
الحية أو الثعبان سهلا لصغر حجمها .. ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن
يجعلها مثلا لنعلم أنه بقدراته هو قد أخضع لنا ما شاء، ولم يخضع لنا ما
شاء. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى:

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا
خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا
مَالِكُونَ(71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ

وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ(72)

سورة يس



وهكذا نعرف أن خضوع هذه الأنعام لنا هو بتسخير الله لها وليس بقدرتنا.

يأتي
الله سبحانه وتعالى إلي أرض ينزل عليها المطر بغزارة. والعلماء يقولون إن
هذا يحدث بقوانين الكون. فيلفتنا الله تبارك وتعالى إلي خطأ هذا الكلام.
بأن تأتي مواسم جفاف لا تسقط فيها حبة مطر واحدة لنعلم أن المطر لا يسقط
بقوانين الكون ولكن بإرادة خالق الكون .. فإذا كانت القوانين وحدها تعمل
فمن الذي عطلها؟ ولكن إرادة الخالق فوق القوانين أن شاءت جعلتها تعمل وإن
شاءت جعلتها لا تعمل .. إذن فكل شيء في الكون بسم الله .. هو الذي سخر
وأعطى .. وهو الذي يمنح ويمنع. حتى في الأمور التي للإنسان فيها نوع من
الاختيار .. واقرأ قول الحق تبارك وتعالى:



لِلَّهِ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ
يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ(49)

أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(50)

سورة الشورى





والأصل
في الذرية أنها تأتي من اجتماع الذكر والأنثى .. هذا هو القانون .. ولكن
القوانين لا تعمل إلا بأمر الله .. لذلك يتزوج الرجل والمرأة ولا تأتي
الذرية لأنه ليس القانون هو الذي يخلق .. ولكنها إرادة خالق القانون .. إن
شاء جعله يعمل .. وإن شاء يبطل عمله .. والله سبحانه وتعالى لا تحكمه
القوانين ولكنه هو الذي يحكمها.

وكما أن الله سبحانه وتعالى قادر
على أن يجعل القوانين تفعل أو لا تفعل .. فهو قادر على أن يخرق القوانين
.. خذ مثلا قصة زكريا عليه السلام .. كان يكفل مريم ويأتيها بكل ما تحتاجه
.. ودخل عليها ليجد عندها ما لم يحضره لها .. وسألها وهي القديسة العابدة
الملازمة لمحرابها



قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا(37)

سورة آل عمران



الحق
سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة .. مع أن مريم بسلوكها وعبادتها وتقواها
فوق كل الشبهات .. ولكن لنعرف أن الذي يفسد الكون .. هو عدم السؤال عن
مصدر الأشياء التي تتناسب مع قدرات من يحصل عليها.. الأم ترى الأب ينفق ما
لا يتناسب مع مرتبه .. وترى الابنة ترتدي ما هو اكبر كثيرا من مرتبها أو
مصروفها .. ولو سألت الأم أو الابنة من أين لك هذا؟ لما فسد المجتمع ..
ولكن الفساد يأتي من أننا نغمض أعيننا عن المال الحرام. بماذا ردت مريم
عليها السلام؟ قالت "قَالَتْ كما اخبرنا الله سبحانه وتعالى

هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37)

سورة آل عمران


إذن
فطلاقة قدرة الله لا يحكمها قانون .. لقد لفتت مريم زكريا عليهما السلام
إلي طلاقة القدرة .. فدعا زكريا ربه في قضية لا تنفع فيها إلا طلاقة
القدرة .. فهو رجل عجوز وامرأته عجوز وعاقر ويريد ولدا .. هذه قضية ضد
قوانين الكون .. لأن الإنجاب لا يتم إلا وقت الشباب، فإذا كبر الرجل وكبرت
المرأة لا ينجبان .. فما بالك إذا كانت الزوجة أساسا عاقرا .. لم تنجب وهي
شابة وزوجها شاب .. فكيف تنجب وهي عجوز وزوجها عجوز .. هذه مسألة ضد
القوانين التي تحكم البشر .. ولكن الله وحده القادر على أن يأتي بالقانون
وضده .. ولذلك شاء أن يرزق زكريا بالولد وكان .. ورزق زكريا بابنه يحيى.
إذن كل شيء في هذا الكون باسم الله .. يتم باسم الله وبإذن من الله .. الكون تحكمه الأسباب نعم ولكن إرادة الله فوق كل الأسباب.


**** يتبع بعون الرحمن ****

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 16:08

أنت
حين تبدأ كل شيء باسم الله .. كأنك تجعل الله في جانبك يعينك .. ومن رحمة
الله سبحانه وتعالى أنه علمنا أن نبدأ كل شيء باسم الله .. لأن الله هو
الاسم الجامع لصفات الكمال سبحانه وتعالى .. والفعل عادة يحتاج إلي صفات
متعددة .. فأنت حين تبدأ عملا تحتاج إلي قدرة الله وإلي عونه وإلي رحمته
.. فلو أن الله سبحانه وتعالى لم يخبرنا بالاسم الجامع لكل الصفات .. كان
علينا أن نحدد الصفات التي نحتاج إليها .. كأن نقول باسم الله القوي وبسم
الله الرزاق وبسم الله المجيب وبسم الله القادر وبسم الله النافع .. إلي
غير ذلك من الأسماء والصفات التي نريد أن نستعين بها .. ولكن الله تبارك
وتعالى جعلنا نقول بسم الله الجامع لكل هذه الصفات.

على أننا
لابد أن نقف هنا عند الذين لا يبدأون أعمالهم بسم الله وإنما يريدون
الجزاء المادي وحده .. إنسان غير مؤمن لا يبدأ عمله بسم الله .. وإنسان
مؤمن يبدأ كل عمل وفي باله الله .. كلاهما يأخذ من الدنيا لأن الله رب
للجميع .. له عطاء ربوبية لكل خلقه الذين استدعاهم للحياة .. ولكن الدنيا
ليست هي الحياة الحقيقية للإنسان .. بل الحياة الحقيقية هي الآخرة .. الذي
في باله الدنيا وحدها يأخذ بقدر عطاء الربوبية .. بقدر عطاء الله في
الدنيا .. والذي في باله الله يأخذ بقدرعطاء الله في الدنيا والآخرة ..
ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا
فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ
وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ(1)

(سورة سبأ)

لأن المؤمن
يحمد الله على نعمه في الدنيا .. ثم يحمده عندما ينجيه من النار والعذاب
ويدخله الجنة في الآخرة .. فلله الحمد في الدنيا والآخرة.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع"
رواه
السيوطى فى الجامع الصغير ، وعزاه لعبدالقادر الرهاوى فى اول
كتاب(الأربعين) عن ابى هريرة باسناد حسن ورواه ابن كثير فى تفسيره " بلفظ
"فهو اجذم"

ومعنى أقطع أي مقطوع الذنب أو الذيل .. أي عمل ناقص فيه
شيء ضائع .. لأنك حين لا تبدأ العمل بسم الله قد يصادفك الغرور والطغيان
بأنك أنت الذي سخرت ما في الكون ليخدمك وينفعل لك .. وحين لا تبدأ العمل
ببسم الله .. فليس لك عليه جزاء في الآخرة فتكون قد أخذت عطاءه في الدنيا
.. وبترت أو قطعت عطاءه في الآخرة .. فإذا كنت تريد عطاء الدنيا والآخرة.
أقبل على كل عمل بسم الله .. قبل أن تأكل قل بسم الله لأنه هو الذي خلق لك
هذا الطعام ورزقك به .. عندما تدخل الامتحان قل بسم الله فيعينك على
النجاح .. عندما تدخل إلي بيتك قل بسم الله لأنه هو الذي يسر لك هذا البيت
.. عندما تتزوج قل بسم الله لأنه هو الذي خلق هذه الزوجة وأباحها لك .. في
كل عمل تفعله ابدأه بسم الله .. لأنها تمنعك من أي عمل يغضب الله سبحانه
وتعالى .. فأنت لا تستطيع أن تبدأ عملا يغضب الله .. وتذكرت بسم الله ..
فإنك ستمتنع عنه .. ستسحي أن تبدأ عملا بسم الله يغضب الله .. وهكذا ستكون
أعمالك كلها فيما أباحه الله.

الله تبارك وتعالى حين نبدأ قراءة
كلامه بسم الله .. فنحن نقرأ هذا الكلام لأنه من الله .. والله هو الإله
المعبود في كونه .. ومعنى معبود أنه يطاع فيما يأمر به .. ولا نقدم على ما
نهى عنه .. فكأنك تستقبل القرآن الكريم بعطاء الله في العبادة .. وبطاعته
في افعل ولا تفعل .. وهذا هو المقصود أن تبدأ قراءة القرآن بسم الله الذي
آمنت به ربا وإلها .. والذي عاهدته على أن تطيعه فيما أمر وفيما ينهى ..
والذي بموجب عبادتك لله سبحانه وتعالى تقرأ كتابه لتعمل بما فيه .. والذي
خلق وأوجد ويحيي ويميت وله الأمر في الدنيا والآخرة .. والذي ستقف أمامه
يوم القيامة ليحاسبك أحسنت أم أسأت .. فالبداية من الله والنهاية إلي الله
سبحانه وتعالى. بعض الناس يتساءل كيف أبدأ بسم الله .. وقد عصيت وقد خالفت
.. نقول إياك أن تستحي أن تقرأ القرآن .. وأن تبدأ بسم الله إذا كنت قد
عصيت .. ولذلك أعطانا الله سبحانه وتعالى الحيثية التي نبدأ بها قراءة
القرآن فجعلنا نبدأه بسم الله الرحمن الرحيم .. فالله سبحانه وتعالى لا
يتخلى عن العاصي .. بل يفتح له باب التوبة ويحثه عليها .. ويطلب منه أن
يتوب وأن يعود إلي الله .. فيغفر له ذنبه، لأن الله رحمن رحيم .. فلا تقل
أنني أستحي أن أبدأ بسم الله لأنني عصيته .. فالله سبحانه وتعالى يطلب من
كل عاص أن يعود إلي حظيرة الإيمان وهو رحمن رحيم .. فإذا قلت كيف أقول بسم
الله وقد وقعت في معصية أمس .. نقول لك قل بسم الله الرحمن الرحيم ..
فرحمة الله تسع كل ذنوب خلقه .. وهو سبحانه وتعالى الذي يغفر الذنوب
جميعا.
والرحمة والرحمن والرحيم .. مشتق منها الرحم الذي هو مكان
الجنين في بطن أمه .. هذا المكان الذي يأتيه فيه الرزق .. بلا حول ولا قوة
.. ويجد فيه كل ما يحتاجه لنموه ميسراً .. رزقا من الله سبحانه وتعالى بلا
تعب ولا مقابل .. انظر إلي حنو الأم على ابنها وحنانها عليه .. وتجاوزها
عن سيئاته وفرحته بعودته إليها .. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في حديث
قدسي.

"أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته"
رواه احمد والبخارى وابو داود والترمذى
الله
سبحانه وتعالى يريد أن نتذكر دائما أنه يحنو ويرزقنا .. ويفتح لنا أبواب
التوبة بابا بعد آخر .. ونعصى فلا يأخذنا بذنوبنا ولا يحرمنا من نعمة ..
ولا يهلكنا بما فعلنا. ولذلك فنحن نبدأ تلاوة القرآن الكريم بسم الله
الرحمن الرحيم .. لنتذكر دائما أبواب الرحمة المفتوحة لنا .. نرفع أيدينا
إلي السماء .. ونقول يا رب رحمتك .. تجاوز عن ذنوبنا وسيئاتنا. وبذلك يظل
قارئ القرآن متصلا بأبواب رحمة الله .. كلما ابتعد عن المنهج أسرع ليعود
إليه .. فمادام الله رحمانا ورحيما لا تغلق أبواب الرحمة أبدا

_________________


عدل سابقا من قبل the dark lord في الجمعة 11 يوليو - 16:09 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 16:08

على
أننا نلاحظ أن الرحمن الرحيم من صيغ المبالغة .. يقال راحم ورحمن ورحيم ..
إذا قيل راحم فيه صفة الرحمة .. وإذا قيل رحمن تكون مبالغة في الصفة ..
وإذا قيل رحيم تكون مبالغة في الصفة .. والله سبحانه وتعالى رحمن الدنيا
ورحيم الآخرة..
صفات الله سبحانه وتعالى لا تتأرجح بين القوة والضعف ..
وإياكم أن تفهموا أن الله تأتيه الصفات مرة قليلة ومرة كثيرة. بل هي صفات الكمال المطلق ..
ولكن الذي يتغير هو متعلقات هذه الصفات ..
اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:

{إن الله لا يظلم مثقال ذرةٍ "40"}
(سورة النساء)

هذه الآية الكريمة .. نفت الظلم عن الله سبحانه وتعالى، ثم تأتي الآية الكريمة بقول الله جل جلاله:

{وما ربك بظلامٍ للعبيد "46"}
(سورة فصلت)

نلاحظ
هنا استخدام صيغة المبالغة .. "ظلام" .. أي شديد الظلم .. وقول الحق
سبحانه وتعالى: "ليس بظلام" .. لا تنفي الظلم ولكنها تنفي المبالغة في
الظلم، تنفي أن يظلم ولو مثقال ذرة .. نقول أنك لم تفهم المعنى .. أن الله
لا يظلم أحدا .. الآية الأولى نفت الظلم عن الحق تبارك وتعالى ولو مثقال
ذرة بالنسبة للعبد .. والآية الثانية لم تقل للعبد ولكنها قالت للعبيد ..
والعبيد هم كل خلق الله .. فلو أصاب كل واحدا منهم أقل من ذرة من الظلم مع
هذه الأعداد الهائلة .. فإن الظلم يكون كثيراً جداً، ولو أنه قليل في
كميته لأن عدد من سيصاب به هائل .. ولذلك فإن الآية الأولى نفت الظلم عن
الله سبحانه وتعالى. والآية الثانية نفت الظلم أيضا عن الله تبارك وتعالى
.. ولكن صيغة المبالغة استخدمت لكثرة عدد الذين تنطبق عليهم الآية
الكريمة.

نأتي بعد ذلك إلي رحمن ورحيم .. رحمن في الدنيا لكثرة
عدد الذين يشملهم الله سبحانه وتعالى برحمته .. فرحمة الله في الدنيا تشمل
المؤمن والعاصي والكافر .. يعطيهم الله مقومات حياتهم ولا يؤاخذهم
بذنوبهم، يرزق من آمن به ومن لم يؤمن به، ويعفو عن كثير .. إذن عدد الذين
تشملهم رحمة الله في الدنيا هم كل خلقه. بصرف النظر عن إيمانهم.

ولكن
في الآخرة الله رحيم بالمؤمنين فقط .. فالكفار والمشركون مطرودون من رحمة
الله .. إذن الذين تشملهم رحمة الله في الآخرة .. أقل عددا من الذين
تشملهم رحمة الله في الدنيا .. فمن أين تأتي المبالغة؟ .. تأتي المبالغة
في العطاء وفي الخلود في العطاء .. فنعم الله في الآخرة اكبر كثيراً منها
في الدنيا .. المبالغة هنا بكثرة النعم وخلودها .. فكأن المبالغة في
الدنيا بعمومية العطاء، والمبالغة في الآخرة بخصوصية العطاء للمؤمن وكثرة
النعم والخلود فيها.

لقد اختلف عدد العلماء حول بسم الله الرحمن
الرحيم .. وهي موجودة في 113 سورة من القرآن الكريم هل هي من آيات السور
نفسها .. بمعنى أن كل سورة تبدأ "بسم الله الرحمن الرحيم" تحسب البداية
على أنها الآية الأولى من السورة، أم أنها حسبت فقط في فاتحة الكتاب، ثم
بعد ذلك تعتبر فواصل بين السور..
وقال العلماء أن "بسم الله الرحمن
الرحيم" آية من آيات القرآن الكريم .. ولكنها ليست آية من كل سورة ما عدا
فاتحة الكتاب فهي آية من الفاتحة .. وهناك سورة واحدة في القرآن الكريم لا
تبدأ بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" وهي سورة التوبة وتكررت بسم الله الرحمن
الرحيم في الآية 30 من سورة النمل في قوله تعالى:

{إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم "30"}
(سورة النمل)

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 16:10

(الحمد لله رب العالمين "2" الرحمن الرحيم "3")

فاتحة
الكتاب هي أم الكتاب، لا تصلح الصلاة بدونها، فأنت في كل ركعة تستطيع أن
تقرأ آية من القرآن الكريم، تختلف عن الآية التي قرأتها في الركعة
السابقة، وتختلف عن الآيات التي قرأتها في صلواتك ..

ولكن إذا لم
تقرأ الفاتحة فسدت الصلاة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من
صلى صلاة لم يقرأ فيها أم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تام" أي غير صالحة.

فالفاتحة
أم الكتاب التي لا تصلح الصلاة بدونها، والله سبحانه وتعالى يقول في حديث
قدسي: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل .. فإذا قال العبد
الحمد لله رب العالمين. قال الله عز وجل حمدني عبدي. فإذا قال: الرحمن
الرحيم، قال الله عز وجل: أثنى علي عبدي، فإذا قال مالك يوم الدين، قال
الله عز وجل مجدني عبدي .. فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله عز
وجل هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل .. وإذا قال: "اهدنا الصراط
المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" قال الله
عز وجل: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.

وعلينا أن نتنبه ونحن نقرأ هذا
الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، ولم يقل
قسمت الفاتحة بيني وبين عبدي، ففاتحة الكتاب هي أساس الصلاة، وهي أم
الكتاب.

نلاحظ أن هناك ثلاثة أسماء لله قد تكررت في بسم الله
الرحمن الرحيم، وفي فاتحة الكتاب، وهذه الأسماء هي: الله. والرحمن
والرحيم. نقول أن ليس هناك تكرار في القرآن الكريم، وإذا تكرر اللفظ فيكون
معناه في كل مرة مختلفا عن معناه في المرة السابقة، لأن المتكلم هو الله
سبحانه وتعالى .. ولذلك فهو يضع اللفظ في مكانه الصحيح، وفي معناه
الصحيح..

قولنا: "بسم الله الرحمن الرحيم" هو استعانة بقدرة الله
حين نبدأ فعل الأشياء .. إذن فلفظ الجلالة "الله" في بسم الله، معناه
الاستعانة بقدرات الله سبحانه وتعالى وصفاته. لتكون عونا لنا على ما نفعل.
ولكن إذا قلنا: الحمد لله .. فهي شكر لله على ما فعل لنا. ذلك أننا لا
نستطيع أن نقدم الشكر لله إلا إذا استخدمنا لفظ الجلالة. الجامع لكل صفات
الله تعالى. لأننا نحمده على كل صفاته ورحمته بنا حتى لا نقول بسم القهار
وبسم الوهاب وبسم الكريم، وبسم الرحمن .. نقول الحمد لله على كمال صفاته،
فيشمل الحمد كمال الصفات كلها.

وهناك فرق بين "بسم الله" الذي
نستعين به على ما لا قدرة لنا عليه .. لأن الله هو الذي سخر كل ما في
الكون، وجعله يخدمنا، وبين "الحمد لله" فإن لفظ الجلالة إنما جاء هنا
لنحمد الله على ما فعل لنا. فكأن "بسم الله في البسملة" طلب العون من الله
بكل كمال صفاته .. وكأن الحمد لله في الفاتحة تقديم الشكر لله بكل كمال
صفاته.

و"الرحمن الرحيم" في البسملة لها معنى غير "الرحمن
الرحيم" في الفاتحة، ففي البسملة هي تذكرنا برحمة الله سبحانه وتعالى
وغفرانه حتى لا نستحي ولا نهاب أن نستعين باسم الله أن كنا قد فعلنا معصية
.. فالله سبحانه وتعالى يريدنا أن نستعين باسمه دائما في كل أعمالنا.

فإذا سقط واحد منا في معصية، قال كيف استعين باسم الله، وقد عصيته؟
نقول له ادخل عليه سبحانك وتعالى من باب الرحمة .. فيغفر لك وتستعين به فيجيبك.
وأنت حين تسقط في معصية تستعيذ برحمة الله من عدله، لأن عدل الله لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

واقرأ قول الله تعالى:

{ووضع
الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا
يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك
أحد "49"}
(سورة الكهف)

ولولا رحمة الله التي سبقت عدله. ما بقى للناس نعمة وما عاش أحد على ظهر الأرض .. فالله جل جلاله يقول:

{ولو يؤاخذ الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلي أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون "61"}
(سورة النحل)

فالإنسان خلق ضعيفا، وخلق هلوعا. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"لا يدخل أحدكم الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته، قالوا: حتى أنت يا رسول الله قال: حتى أنا".

فذنوب
الإنسان في الدنيا كثيرة .. إذا حكم فقد يظلم. وإذا ظن فقد يسئ .. وإذا
تحدث فقد كذب .. وإذا شهد فقد يبتعد عن الحق .. وإذا تكلم فقد يغتاب.
هذه
ذنوب نرتكبها بدرجات متفاوتة. ولا يمكن لأحد منا أن ينسب الكمال لنفسه حتى
الذين يبذلون أقصى جهدهم في الطاعة لا يصلون إلي الكمال، فالكمال لله
وحده. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل بني آدم خطاء وخير
الخطائين التوابون".
ويصف الله سبحانه وتعالى الإنسان في القرآن الكريم:

{وأتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار "34"}
(سورة إبراهيم)

ولذلك
أراد الحق سبحانه وتعالى ألا تمنعنا المعصية عن أن ندخل إلي كل عمل باسم
الله .. فعلمنا أن نقول: "بسم الله الرحمن الرحيم" لكي نعرف أن الباب
مفتوح للاستعانة بالله. وأن المعصية لا تمنعنا من الاستعانة في كل عمل
باسم الله .. لأنه رحمن رحيم، فيكون الله قد أزال وحشتك من المعصية في
الاستعانة به سبحانه وتعالى.

ولكن الرحمن الرحيم في الفاتحة
مقترنة برب العالمين، أوجدك من عدم .. وأمدك بنعم لا تعد ولا تحصى. أنت
تحمده على هذه النعم التي أخذتها برحمة الله سبحانه وتعالى في ربوبيته،
ذلك أن الربوبية ليس فيها من القسوة بقدر ما فيها من رحمة.
والله
سبحانه وتعالى رب للمؤمن والكافر، فهو الذي استدعاهم جميعا إلي الوجود.
ولذلك فإنه يعطيهم من النعم برحمته .. وليس بما يستحقون .. فالشمس تشرق
على المؤمن والكافر .. ولا تحجب أشعتها عن الكافر وتعطيها للمؤمن فقط،
والمطر ينزل على من يبعدون الله. ومن يعبدون أوثانا من دون الله. والهواء
يتنفسه من قال لا إله إلا الله ومن لم يقلها.

وكل النعم التي هي
من عطاء الربوبية لله يه في الدنيا لخلقه جميعا، وهذه رحمة .. فالله رب
الجميع من أطاعه ومن عصاه. وهذه رحمة، والله قابل للتوبة، وهذه رحمة ..

إذن ففي الفاتحة تأتي "الرحمن الرحيم" بمعنى رحمة الله في ربوبيته لخلقه، فهو يمهل العاصي ويفتح أبواب التوبة لكل من يلجأ إليه.

وقد
جعل الله رحمته تسبق غضبه. وهذه رحمة تستوجب الشكر. فمعنى "الرحمن الرحيم"
في البسملة يختلف عنها في الفاتحة. فإذا انتقلنا بعد ذلك إلي قوله تعالى:
"الحمد لله رب العالمين" فالله محمود لذاته ومحمود لصفاته، ومحمود لنعمه،
ومحمود لرحمته، ومحمود لمنهجه، ومحمود لقضائه، الله محمود قبل أن يخلق من
يحمده. ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الشكر له في كلمتين اثنتين
هما الحمد لله.

*** يتبع بحول الله ***

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 16:10

والعجيب
أنك حين تشكر بشرا على جميل فعله تظل ساعات وساعات .. تعد كلمات الشكر
والثناء، وتحذف وتضيف وتأخذ رأي الناس. حتى تصل إلي قصيدة أو خطاب ملئ
بالثناء والشكر.

ولكن الله سبحانه وتعالى جلت قدرته وعظمته نعمه لا تعد ولا تحصى، علمنا أن نشكره في كلمتين اثنتين هما:
الحمد لله ..

ولعلنا
نفهم أن المبالغة في الشكر للبشر مكروهة لأنها تصيب الإنسان بالغرور
والنفاق وتزيد العاصي في معاصيه .. فلنقلل من الشكر والثناء للبشر ..
لأننا نشكر الله لعظيم نعمه علينا بكلمتين هما: الحمد لله، ومن رحمة الله
سبحانه وتعالى أنه علمنا صيغة الحمد.
فلو أنه تركها دون أن يحددها
بكلمتين .. لكان من الصعب على البشر أن يجدوا الصيغة المناسبة ليحمدوا
الله على هذا الكمال الإلهي .. فمهما أوتي الناس من بلاغة وقدرة على
التعبير. فهم عاجزون على أن يصلوا إلي صيغة الحمد التي تليق بجلال المنعم
..

فكيف نحمد الله والعقل عاجز أن يدرك قدرته أو يحصي نعمه أو يحيط برحمته؟
ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعطانا صورة العجز البشري عن حمد كمال الألوهية لله، فقال:
"لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".

وكلمتا
الحمد لله، ساوى الله بهما بين البشر جميعا، فلو أنه ترك الحمد بلا تحديد،
لتفاوتت درجات الحمد بين الناس بتفاوت قدراتهم على التعبير. فهذا أمي لا
يقرأ ولا يكتب لا يستطيع أن يجد الكلمات التي يحمد بها الله. وهذا عالم له
قدرة على التعبير يستطيع أن يأتي بصيغة الحمد بما أوتي من علم وبلاغة.
وهكذا تتفاوت درجات البشر في الحمد .. طبقا لقدرتهم في منازل الدنيا.

ولكن
الحق تبارك وتعالى شاء عدله أن يسوي بين عباده جميعا في صيغة الحمد له ..
فيعلمنا في أول كلماته في القرآن الكريم .. أن نقول "الحمد لله" ليعطي
الفرصة المتساوية لكل عبيده بحيث يستوي المتعلم وغير المتعلم في عطاء
الحمد ومن أوتي البلاغة ومن لا يحسن الكلام.

ولذلك فإننا نحمد
الله سبحانه وتعالى على أنه علمنا كيف نحمده وليظل العبد دائما حامدا.
ويظل الله دائما محمودا .. فالله سبحانه وتعالى قبل أن يخلقنا خلق لنا
موجبات الحمد من النعم، فخلق لنا السماوات والأرض وأجد لنا الماء والهواء.
ووضع في الأرض أقواتها إلي يوم القيامة .. وهذه نعمة يستحق الحمد عليها
لأنه جل جلاله جعل النعمة تسبق الوجود الإنساني، فعندما خلق الإنسان كانت
النعمة موجودة تستقبله.
بل أن الله جل جلاله قبل أن يخلق آدم أبا
البشر جميعا سبقته الجنة التي عاش فيها لا يتعب ولا يشقى. فقد خلق فوجد ما
يأكله وما يشربه وما يقيم حياته وما يتمتع به موجودا وجاهزا ومعدا قبل
الخلق .. وحينما نزل آدم وحواء إلي الأرض كانت النعمة قد سبقتهما. فوجدا
ما يأكلانه وما يشربانه، وما يقيم حياتهما .. ولو أن النعمة لم تسبق
الوجود الإنساني وخلقت بعده لهلك الإنسان وهو ينتظر مجيء النعمة.

بل
أن العطاء الإلهي للإنسان يعطيه النعمة بمجرد أن يخلق في رحم أمه فيجد
رحما مستعدا لاستقباله وغذاء يكفيه طول مدة الحمل. فإذا خرج إلي الدنيا
يضع الله في صدر أمه لبنا ينزل وقت أن يجوع ويمتنع وقت أن يشبع. وينتهي
تماما عندما تتوقف فترة الرضاعة. ويجد أبا وأما يوفران له مقومات حياته
حتى يستطيع أن يعول نفسه .. وكل هذا يحدث قبل أن يصل الإنسان إلي مرحة
التكليف وقبل أن يستطيع أن ينطق: "الحمد لله".

وهكذا نرى أن
النعمة تسبق المنعم عليه دائما .. فالإنسان حيث يقول "الحمد لله" فلأن
موجبات الحمد ـ وهي النعمة ـ موجودة في الكون قبل الوجود الإنساني.

والله
سبحانه وتعالى خلق لنا في هذا الكون أشياء تعطي الإنسان بغير قدرة منه
ودون خضوع له، والإنسان عاجز عن أن يقدم لنفسه هذه النعم التي يقدمها الحق
تبارك وتعالى له بلا جهد. فالشمس تعطي الدفء والحياة للأرض بلا مقابل وبلا
فعل من البشر، والمطر ينزل من السماء دون أن يكون لك جهد فيه أو قدرة على
إنزاله. والهواء موجود حولك في كل مكان تتنفس منه دون جهد منك ولا قدرة.
والأرض تعطيك الثمر بمجرد أن تبذر فيها الحب وتسقيه .. فالزرع ينبت بقدرة
الله.
والليل والنهار يتعاقبان حتى تستطيع أن تنام لترتاح، وأن تسعى
لحياتك .. لا أنت أتيت بضوء النهار، ولا أنت الذي صنعت ظلمة الليل، ولكنك
تأخذ الراحة في الليل والعمل في النهار بقدرة الله دون أن تفعل شيئاً.
كل هذه الأشياء لم يخلقها الإنسان، ولكنه وجدها في الكون تعطيه بلا مقابل ولا جهد منه!
ألا تستحق هذه النعم أن نقول: الحمد لله على نعمة تسخير الكون لخدمة الإنسان؟

وآيات
الله سبحانه وتعالى في كونه تستوجب الحمد .. فالحياة التي وهبها الله لنا،
والآيات التي أودعها في كونه تدلنا على أن لهذا الكون خالقاً عظيماً ..
فالكون بشمسه وقمره ونجومه وأرضه وكل ما فيه مما يفوق قدرة الإنسان، ولا
يستطيع أحد أن يدعيه لنفسه، فلا أحد مهما بلغ علمه يستطيع أن يدعي أنه خلق
الشمس، أو أوجد النجوم، أو وضع الأرض، أو وضع قوانين الكون، أو أعطى
غلافها الجوي، أو خلق نفسه، أو خلق غيره.

هذه الآيات كلها أعطتنا
الدليل على وجود قوة عظمى، وهي التي أوجدت وهي التي خلقت .. وهذه الآيات
ليست ساكنة، لتجعلنا في سكونها ننساها،
بل هي متحركة لتلفتنا إلي خالق هذا الكون العظيم.

فالشمس
تشرق في الصباح فتذكرنا بإعجاز الخالق، وتغيب في المساء لتذكرنا بعظمة
الخالق .. وتعاقب الليل والنهار يحدث أمامنا كل يوم علمنا نلتفت ونفيق ..
والمطر ينزل من السماء ليذكرنا بألوهية من أنزله .. والزرع يخرج من الأرض
يسقي بماء واحد، ومع ذلك فإن كل نوع له لون وله شكل وله مذاق وله رائحة،
وله تكوين يختلف عن الآخر، ويأتي الحصاد فيختفي الثمر والزرع .. ويأتي
موسم الزراعة فيعود من جديد.

كل شيء في هذا الكون متحرك ليذكرنا إذا نسينا، ويعلمنا أن هناك خالقاً عظيماً.

ونستطيع
أن نمضي في ذلك بلا نهاية، فنعم الله لا تعد ولا تحصى .. وكل واحدة منها
تدلنا على وجود الحق سبحانه وتعالى، وتعطينا الدليل الإيماني على أن لهذا
الكون خالقاً مبدعاً .. وأنه لا أحد يستطيع أن يدعي أنه خلق الكون أو خلق
شيئاً مما فيه .. فالقضية محسومة لله.

(والحمد لله) لأنه وضع في نفوسنا الإيمان الفطري، ثم أيده بإيمان عقلي بآياته في كونه.

كل
شيء في هذا الكون يقتضي الحمد، ومع ذلك فإن الإنسان يمتدح الموجود وينسى
الموجد .. فأنت حين ترى زهرة جميلة مثلاً، أو زهرة غاية في الإبداع .. أو
أي خلق من خلق الله، يشيع في نفسك الجمال تمتدح هذا الخلق .. فتقول: ما
أجمل هذه الزهرة، أو هذه الجوهرة، أو هذا المخلوق!!
ولكن المخلوق
الذي امتدحته، لم يعط صفة الجمال لنفسه .. فالزهرة لا دخل لها أن تكون
جميلة أو غير جميلة، والجوهرة لا دخل لها في عظمة خلقها .. وكل شيء في هذا
الكون لم يضع الجمال لنفسه، وإنما الذي وضع الجمال فيه هو الله سبحانه
وتعالى، فلا نخلط ونمدح المخلوق وننسى الخالق ..

بل قل:

الحمد لله الذي أوجد في الكوم ما يذكرنا بعظمة الخالق ودقة الخلق.

ومنهج الله سبحانه وتعالى يقتضي منا الحمد، فهو تبارك وتعالى أنزل منهجه ليرينا طريق الخير، ويبعدنا عن طريق الشر.
فمنهج
الله عز وجل الذي أنزله على رسله قد عرفنا أن الله تبارك وتعالى هو الذي
خلق لنا هذا الكون وخلقنا .. فدقة الخلق وعظمته تدلنا على عظمة خالقه،
ولكنها لا تستطيع أن تقول لنا من هو، ولا ماذا يريد منا، ولذلك أرسل الله
رسله، ليقول لنا:
إن الذي خلق هذا الكون وخلقنا هو الله تبارك وتعالى، وهذا يستوجب الحمد

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 16:11

مازلنا مع خواطر الشيخ الشعرواي فى تفسيرة :

(الحمد لله رب العالمين "2" الرحمن الرحيم "3")

ومنهج
الله يبين لنا ماذا يريد الحق منا، وكيف نعبده .. وهذا يستوجب الحمد،
ومنهج الله جل جلاله أعطانا الطريق وشرع لنا أسلوب حياتنا تشريعاً حقاً ..
فالله تبارك وتعالى لا يفرق بين أحد منا ..
ولا يفضل أحداً على أحد إلا بالتقوى، فكلنا خلق متساوون أمام الله جل جلاله.

إذن:
فشريعة الحق، وقول الحق، وقضاء الحق هو من الله، أما تشريعات الناس فلها
هوى، تميز بعضاً عن بعض .. وتأخذ حقوق بعض لتعطيها للآخرين، ولذلك نجد في
كل منهج بشرى ظلماً بشرياً.

فالدول الشيوعية أعضاء اللجنة
المركزية فيها هم أصحاب النعمة والترف بينما الشعب كله في شقاء .. لأن
هؤلاء الذي شرعوا اتبعوا هواهم. ووضعوا مصالحهم فوق كل مصلحة..

وكذلك الدول الرأسمالية. أصحاب رأس المال يأخذون كل الخير،

ولكن
الله سبحانه وتعالى حين نزل لنا المنهج قضى بالعدل بين الناس .. وأعطى كل
ذي حق حقه. وعلمنا كيف تستقيم الحياة على الأرض عندما تكون بعيدة عن الهوى
البشري خاضعة لعدل الله، وهذا يوجب الحمد.

والحق سبحانه وتعالى،
يستحق منا الحمد؛ لأنه لا يأخذ منا ولكنه يعطينا، فالبشر في كل عصر
يحاولون استغلال البشر .. لأنهم يطمعون فيما بين أيديهم من ثروات وأموال،
ولكن الله سبحانه وتعالى يعطينا ولا يأخذ منا، عنده خزائن كل شيء مصداقا
لقوله جل جلاله:

{وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم "21" }
(سورة الحجر)

فالله سبحانه وتعالى دائم العطاء لخلقه، والخلق يأخذون دائماً من نعم الله،

فالعبودية لله تعطيك ولا تأخذ منك شيئاً، وهذا يستوجب الحمد..

والله
سبحانه وتعالى في عطائه يجب أن يطلب منه الإنسان، وأن يدعوه، وأن يستعين
به، وهذا يستوجب الحمد؛ لأنه يقينا الذل في الدنيا. فأنت إن طلبت شيئاً من
صاحب نفوذ، فلابد أن يحدد لك موعداً أو وقت الحديث ومدة المقابلة، وقد
يضيق بك فيقف لينهي اللقاء .. ولكن الله سبحانه وتعالى بابه مفتوح دائماً
.. فأنت بين يديه عندما تريد، وترفع يديك إلي السماء وتدعو وقتما تحب،
وتسأل الله ما تشاء، فيعطيك ما تريده إن كان خيراً لك .. ويمنع عنك ما
تريده إن كان شراً لك.
والله سبحانه وتعالى يستوجب الحمد حينما يطلب منك أن تدعوه، وأن تسأله فيقول:

{وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين "60" }
(سورة غافر)

ويقول سبحانه وتعالى:

{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون "186"}
(سورة البقرة)

والله سبحانه وتعالى يعف ما في نفسك، ولذلك فإنه يعطيك دون تسأل، واقرأ الحديث القدسي:
يقول رب العزة:
"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".

والله
سبحانه وتعالى عطاؤه لا ينفذ، وخزائنه لا تفرغ، فكلما سألته جل جلاله كان
لديه المزيد، ومهما سألته فإنه لا شيء عزيز على الله سبحانه وتعالى، إذا
أراد أن يحققه لك ..

واقرأ قول الشاعر:
حسب نفسي عزا بأني عبد هو في قدسه الأعز ولكن يحتفي بي بلا مـواعيد رب أنا ألقي متى وأين أحب

إذن: عطاء الله سبحانه وتعالى يستوجب الحمد .. ومنعه العطاء يستوجب الحمد.

ووجود
الله سبحانه وتعالى الواجب الوجود يستوجب الحمد .. فالله سبحانه يستحق
الحمد لذاته، ولولا عدل الله لبغى الناس في الأرض وظلموا، ولكن يد الله
تبارك وتعالى حين تبطش بالظالم تجعله عبرة .. فيخاف الناس الظلم .. وكل من
أفلت من عقاب الدنيا على معاصيه وظلمه واستبداده سيلقى الله في الآخرة
ليوفيه حسابه .. وهذا يوجب الحمد .. أن يعرف المظلوم أنه سينال جزاءه
فتهدأ نفسه ويطمئن قلبه أن هناك يوما سيرى فيه ظالمه وهو يعذب في النار ..
فلا تصيبه الحسرة، ويخف إحساسه بمرارة الظلم حين يعرف أن الله قائم على
كونه لن يفلت من عدله أحد.

وعندما نقول: (الحمد لله) فنحن نعبر
عن انفعالات متعددة .. وهي في مجموعها تحمل العبودية والثناء والشكر
والعرفان .. وكثير من الانفعالات التي تملأ النفس عندما تقول: (الحمد لله)
كلها تحمل الثناء العاجز عن الشكر لكمال الله وعطائه .. هذه الانفعالات
تأتي وتستقر في القلب .. ثم تفيض من الجوارح على الكون كله.

فالحمد
ليس ألفاظاً تردد باللسان، ولكنها تمر أولاً على العقل الذي يعي معنى
النعم .. ثم بعد ذلك تستقر في القلب فينفعل بها .. وتنتقل إلي الجوارح
فأقوم وأصلي لله شاكراً ويهتز جسدي كله، وتفيض الدمعة من عيني، وينتقل هذا
الانفعال كله إلي من حولي.

ونفسر ذلك قليلا .. هب أنني في أزمة
أو كرب أو موقف سيؤدي إلي فضيحة .. وجاءني من يفرج كربي فيعطيني مالاً أو
يفتح لي طريقاً .. أول شيء أنني سأعقل هذا الجميل، فأقول: إنه يستحق الشكر
.. ثم ينزل هذا المعنى إلي قلبي فيهتز القلب إلي صانع هذا الجميل .. ثم
تنفعل جوارحي لأترجم هذه العاطفة إلي عمل جميل يرضيه، ثم أحدث الناس عن
جميله وكرمه فيسارعون إلي الالتجاء إليه، فتتسع دائرة الحمد وتنزل النعم
على الناس .. فيمرون بنفس ما حدث لي فتتسع دائرة الشكر والحمد..

والحمد لله تعطينا المزيد من النعم مصداقاً لقوله تبارك وتعالى:

{وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد "7" }
(سورة إبراهيم)

وهكذا نعرف أن الشكر على النعمة يعطينا مزيداً من النعمة .. فنشكر عليها فتعطينا المزيد، وهكذا يظل الحمد دائماً والنعمة دائمة.

إننا
لو استعرضنا حياتنا كلها .. نجد أن كل حركة فيها تقتضي الحمد، عندما ننام
ويأخذ الله سبحانه وتعالى أرواحنا، ثم يردها إلينا عندما نستيقظ، فإن هذا
يوجب الحمد، فالله سبحانه وتعالى يقول:
{الله يتوفى الأنفس حين موتها
والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلي أجل
مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون "42"}
(سورة الزمر)

وهكذا
فإن مجرد أن نستيقظ من النوم، ليرد الله علينا أرواحنا يستوجب الحمد، فإذا
قمنا من الفراش فالله سبحانه وتعالى هو الذي أعطانا القدرة على الحركة
والنهوض، ولولا عطاؤه ما استطعنا أن نقوم .. وهذا يستوجب الحمد..

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 16:11

(الحمد لله رب العالمين "2" الرحمن الرحيم "3")

فإذا
تناولنا إفطارنا، فالله هو الذي هيأ لنا من فضله هذا الطعام، فإذا نزلنا
إلي الطريق يسر الله لنا ما ينقلنا إلي مقر أعمالنا، وإذا تحدثنا مع الناس
فالله سبحانه وتعالى هو الذي أعطى ألسنتنا القدرة على النطق بما وهبه الله
لنا من قدرة على التعبير والبيان، وهذا يستوجب الحمد.
وإذا عدنا إلي بيوتنا، فالله سخر لنا زوجاتنا ورزقنا بأولادنا، وهذا يستوجب الحمد.

إذن:
فكل حركة في حياة في الدنيا من الإنسان تستوجب الحمد، ولهذا لابد أن يكون
الإنسان حامداً دائماً، بل إن الإنسان يجب أن يحمد الله على أي مكروه
أصابه؛ لأن الشيء الذي يعتبره شراً يكون عين الخير، فالله تعالى يقول:

{يا
أيها الذين أمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا
ببعض ماء أتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينةٍ وعاشروهن بالمعروف فإن
كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً "19"}
(سورة النساء)

إذن فأنت تحمد الله لأن قضاءه خير .. سواء أحببت القضاء أو كرهته فإنه خير لك .. لأنك لا تعلم والله سبحانه وتعالى يعلم.

وهكذا من موجبات الحمد أن تقول الحمد لله على كل ما يحدث لك في دنياك.
فأنت بذلك ترد الأمر إلي الله الذي خلقك .. فهو أعلم بما هو خير لك.

فاتحة
الكتاب تبدأ بالحمد لله رب العالمين .. لماذا قال الله سبحانه وتعالى رب
العالمين؟ نقول إن "الحمد لله" تعني حمد الألوهية. فكلمة الله تعني
المعبود بحق .. فالعبادة تكليف والتكليف يأتي من الله لعبيده .. فكأن
الحمد أولا لله .. ثم يقتضي بعد ذلك أن يكون الحمد لربوبية الله على
إيجادنا من عدم وإمدادنا من عدم .. لأن المتفضل بالنعم قد يكون محمودا عند
كل الناس .. لكن التكليف يكون شاقا على بعض الناس .. ولو علم الناس قيمة
التكليف في الحياة .. لحمدوا الله أن كلفهم بافعل ولا تفعل .. لأنه ضمن
عدم تصادم حركة حياتهم .. فتمضي حركة الحياة متساندة منسجمة. إذن فالنعمة
الأولى هي أن المعبود أبلغنا منهج عبادته، والنعمة الثانية أنه رب
العالمين.

في الحياة الدنيا هناك المطيع والعاصي، والمؤمن وغير
المؤمن .. والذين يدخلون في عطاء الألوهية هم المؤمنون .. أما عطاء
الربوبية فيشمل الجميع .. ونحن نحمد الله على عطاء ألوهيته، ونحمد الله
على عطاء ربوبيته، لأنه الذي خلق، ولأنه رب العالمين .. الكون كله لا يخرج
عن حكمه ..

فليطمئن الناس في الدنيا أن النعم مستمرة لهم بعطاء
ربوبيه .. فلا الشمس تستطيع أن تغيب وتقول لن أشرق ولا النجوم تستطيع أن
تصطدم ببعضها البعض في الكون، ولا الأرض تستطيع أن تمنع إنبات الزرع ..
ولا الغلاف الجوي يستطيع أن يبتعد عن الأرض فيختنق الناس جميعا..

إذن
فالله سبحانه وتعالى يريد أن يطمئن عباده أنه رب لكل ما في الكون فلا
مسيطر على كونه وعلى كل ما خلق .. أنه رب العالمين وهذه توجب الحمد .. أن
يهيئ الله سبحانه وتعالى للإنسان ما يخدمه، بل جعله سيدا في كونه .. ولذلك
فإن الإنسان المؤمن لا يخاف الغد .. وكيف يخافه والله رب العالمين. إذا لم
يكن عنده طعام فهو واثق أن الله سيرزقه لأنه رب العالمين .. وإذا صادفته
أزمة فقلبه مطمئن إلي أن الله سيفرج الأزمة ويزيل الكرب لأنه رب العالمين
.. وإذا أصابته نعمة ذكر الله فشكر عليها لأنه رب العالمين الذي أنعم
عليه.

فالحق سبحانه وتعالى يحمد على أنه رب العالمين .. لا شيء
في كونه يخرج عن مراده الفعلي .. أما عطاء الألوهية فجزاؤه في الآخرة ..
فالدنيا دار اختيار للإيمان، والآخرة دار الجزاء .. ومن الناس من لا يعبد
الله .. هؤلاء متساوون في عطاء الربوبية مع المؤمنين في الدنيا .. ولكن في
الآخرة يكون عطاء الألوهية للمؤمنين وحدهم .. فنعم الله لأصحاب الجنة،
وعطاءات الله لمن آمن .. واقرأ قوله تبارك وتعالى:

{قل من حرم
زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في
الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون "32" }
(سورة الأعراف)

على
أن الحمد لله ليس في الدنيا فقط .. بل هو في الدنيا والآخرة .. الله محمود
دائماً .. في الدنيا بعطاء ربوبيته لكل خلقه .. وعطاء ألوهيته لمن آمن به
وفي الآخرة بعطائه للمؤمنين من عباده .. واقرأ قوله جل جلاله:

{وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث تشاء فنعم أجر العاملين "47"}
(سورة الزمر)

وقوله تعالى:

{دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين"10" }
(سورة يونس)

فإذا
انتقلنا إلي قوله تعالى: "الرحمن الرحيم" فمن موجبات الحمد أن الله سبحانه
وتعالى رحمن رحيم .. يعطي نعمة في الدنيا لكل عباده عطاء ربوبيه، وعطاء
الربوبيه للمؤمن والكافر .. وعطاء الربوبية لا ينقطع إلا عندما يموت
الإنسان..

والله لا يحجب نعمه عن عبيده في الدنيا .. ونعم الله
لا تعد ولا تحصى ومع كل التقدم في الآلات الحاسبة والعقول الإلكترونية
وغير ذلك فإننا لم نجد أحدا يتقدم ويقول أنا سأحصي نعم الله .. لأن موجبات
الإحصاء أن تكون قادرا عليه .. فأنت لا تقبل على عد شيء إلا إذا كان في
قدرتك أن تحصيه .. ولكن مادام ذلك خارج قدرتك وطاقاتك فأنك لا تقبل عليه
.. ولذلك لن يقبل أحد حتى يوم القيامة على إحصاء نعم الله تبارك وتعالى
لأن أحدا لا يمكن أن يحصيها.

ولابد أن نلتفت إلي أن الكون كله
يضيق بالإنسان، وأن العالم المقهور الذي يخدمنا بحكم القهر والتسخير يضيق
حين يرى العاصين .. لأن المقهور مستقيم على منهج الله قهرا .. فحين يرى كل
مقهور الإنسان الذي هو خدمته عاصيا يضيق.

وأقر الحديث القدسي لتعرف شيئا عن رحمة الله بعباده .. يقول الله عز وجل:
ما
من يوم تطلع شمسه إلا وتنادي السماء تقول يا رب إ إذن لي أن اسقط كسفا على
ابن آدم، فقد طعم خيرك ومنع شكرك. وتقول البحار يا رب إ إذن لي أن اغرق
ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك. فيقول الله تعالى دعوهم دعوهم لو
خلقتموهم لرحمتوهم أنهم عبادي فإن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وأن لم يتوبوا
فأنا طبيبهم" رواه الإمام احمد بن حنبل في مسنده"تلك تجليات صفة الرحمن
وصفة الرحيم ..

وكيف ضمنت لنا بقاء كل ما يخدمنا في هذا الكون مع
معصية الإنسان .. أنها كلها تخدمنا بعطاء الربوبية وتبقى في خدمتنا بتسخير
الله لها لأنه رحمن رحيم..

بعض الناس قد يتساءل هل تتكلم الأرض
والسماء وغيرها من المخلوقات في عالم الجماد والنبات والحيوان؟ نقول نعم
أن لها لغة لا نعرفها نحن وإنما يعرفها خالقها .. بدليل أنه منذ الخلق
الأول أبلغنا الحق تبارك وتعالى أن هناك لغة لكل هذه المخلوقات .. واقرأ
قوله جل جلاله:

{ثم استوى إلي السماء وهي دخان فقال لها وللأرض آتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين"11" }
(سورة فصلت)

إذن
فالأرض والسماء فهمت عن الله .. وقالت له سبحانه وتعالى "أتينا طائعين"
ألم يعلم الله سليمان منطق الطير ولغة النملة؟ ألم تسبح الجبال مع داود؟
إذن كل خلق الله له ادراكات مناسبة له .. بل له عواطف .. فعندما تكلم الله
سبحانه وتعالى عن قوم فرعون .. قال:

{كم تركوا من جنات وعيون
"25" وزروع ومقامٍ كريمٍ "26" ونعمة كانوا فيها فاكهين "27" كذلك
وأورثناها قوماً آخرين "28" فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا
منظرين"29" }
(سورة إبراهيم)

إذن فالسماوات والأرض لهما
انفعال .. انفعال يصل إلي مرحلة البكاء .. فهما لم تبكيا على فرعون وقومه
.. ولكنهما تبكيان حزنا عندما يفارقهما الإنسان المؤمن المصلي المطبق
لمنهج الله ..

ولقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إذا مات
المؤمن بكى عليه موضعان .. موضع في الأرض وموضع في السماء .. أما الموضع
في الأرض هو مكان مصلاه الذي أسعده وهو يصلي فيه. وأما الموضع في السماء
فهو مصعد عمله الطيب)

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 18:25


(مالك يوم الدين "4" إياك نعبد وإياك نستعين"5")

إذا
كانت كل نعم الله تستحق الحمد .. فإن "مالك يوم الدين" تستحق الحمد الكبير
.. لأنه لو لم يوجد يوم للحساب، لنجا الذي ملأ الدنيا شروراً. دون أن
يجازى على ما فعل .. ولكان الذي التزم بالتكليف والعبادة وحرم نفسه من متع
دنيوية كثيرة إرضاء لله قد شقي في الحياة الدنيا .. ولكن لأن الله تبارك
وتعالى هو "مالك يوم الدين" .. فقد أعطى الاتزان للوجود كله .. هذه
الملكية ليوم الدين هي التي حمت الضعيف والمظلوم وأبقت الحق في كون الله
..

أن الذي منع الدنيا أن تتحول إلي غابة .. يفتك فيها القوي
بالضعيف والظالم بالمظلوم .. أن هناك آخرة وحساباً، وأن الله سبحانه
وتعالى هو الذي سيحاسب خلقه..

والإنسان المستقيم استقامته تنفع
غيره .. لأنه يخشى الله ويعطي كل ذي حقه ويعفو ويسامح .. إذن كل من حوله
قد استفاد من خلقه الكريم ومن وقوفه مع الحق والعدل..

أما
الإنسان العاصي فيشقى به المجتمع لأنه لا أحد يسلم من شره ولا أحد إلا
يصيبه ظلمه .. ولذلك فإن "مالك يوم الدين " هي الميزان .. تعرف أنت أن
الذي يفسد في الأرض تنتظره الآخرة .. لن يفلت مهما كانت قوته ونفوذه،
فتطمئن اطمئنانا كاملاً إلي أن عدل الله سينال كل ظالم.

على أن
"مالك يوم الدين" لها قراءتان .. "مالك يوم الدين" .. وملك يوم الدين.
والقراءتان صحيحتان .. والله تبارك وتعالى وصف نفسه في القرآن الكريم
بأنه: "مالك يوم الدين" ..

ومالك الشيء هو المتصرف فيه وحده .. ليس
هناك دخل لأي فرد آخر .. أنا أملك عباءتي .. وأملك متاعي، وأملك منزلي،
وأنا المتصرف في هذا كله أحكم فيه بما أراه..

فمالك يوم الدين ..
معناها أن الله سبحانه وتعالى سيصرف أمور العباد في ذلك اليوم بدون أسباب
.. وأن كل شيء سيأتي من الله مباشرة .. دون أن يستطيع أحد أن يتدخل ولو
ظاهراً..
ففي الدنيا يعطى الله الملك ظاهرا لبعض الناس .. ولكن في
يوم القيامة ليس هناك ظاهر .. فالأمر مباشر من الله سبحانه وتعالى ..
ولذلك يقول الله في وصف يوم الدين:

{كلا بل تكذبون بالدين "9" }
(سورة الانفطار)

فكأن
الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في الدنيا لتمضي بها الحياة .. ولكن في
الآخرة لا توجد أسباب. الملك في ظاهر الدنيا من الله يهبه لمن يشاء ..
واقرأ قوله تعالى:

{قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير "26" }
(سورة آل عمران)

ولعل
قوله تعالى: "تنزع" تلفتنا إلي أن أحدا في الدنيا لا يريد أن يترك الملك
.. ولكن الملك يجب أن ينتزع منه انتزاعا رغما عن إرادته .. والله هو الذي
ينزع الملك ممن يشاء..

وهنا نتساءل هل الملك في الدنيا والآخرة
ليس لله؟ .. نقول الأمر في كل وقت لله .. ولكن الله تبارك وتعالى استخلف
بعض خلقه أو مكنهم من الملك في الأرض .. ولذلك نجد في القرآن الكريم قوله
تعالى:

{ألم تر إلي الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك
إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن
الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا
يهدي القوم الظالمين "258" }
(سورة البقرة)

والذي حاج
إبراهيم في ربه كافر منكر للألوهية .. ومع ذلك فإنه لم يأخذ الملك بذاته
.. بل الله جل جلاله هو الذي أتاه الملك .. إذن الله تبارك وتعالى هو الذي
استخلف بعض خلقه ومكنهم من ملك الأرض ظاهريا .. ومعنى ذلك أنه ملك ظاهر
للناس فقط .. أن بشرا أصبح ملكا .. ولكن الملك ليس نابعا من ذات من يملك
.. ولكنه نابع من أمر الله .. ولو كان نابعا من ذاتية من يملك لبقى له ولم
ينزع منه .. والملك الظاهر يمتحن فيه العباد، فيحاسبهم الله يوم القيامة
.. كيف تصرفوا؟ وماذا فعلوا؟ .. ويمتحن فيه الناس هل سكتوا على الحاكم
الظالم؟ .. وهل استحبوا المعصية؟

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 18:25

(مالك يوم الدين "4" إياك نعبد وإياك نستعين"5")


أم
أنهم وقفوا مع الحق ضد الظلم؟ .. والله سبحانه وتعالى لا يمتحن الناس
ليعلم المصلح من المفسد .. ولكنه يمتحنهم ليكونوا شهداء على أنفسهم .. حتى
لا يأتي واحد منهم يوم القيامة ويقول: يا رب لو أنك أعطيتني الملك لا تبعت
طريق الحق وطبقت منهجك.

وهنا يأتي سؤال .. إذا كان الله سبحانه
وتعالى يعلم كل شيء فلماذا الامتحان؟ .. نقول أننا إذا أردنا أن نضرب مثلا
يقرب ذلك إلي الأذهان .. ولله المثل الأعلى .. نجد أن الجامعات في كل
أنحاء الدنيا تقيم الامتحانات لطلابها .. فهل أساتذة الجامعة الذي علموا
هؤلاء الطلاب يجهلون ما يعرفه الطالب ويريدون أن يحصلوا منه على العلم؟ ..
طبعا لا .. ولكن ذلك يحدث حتى إذا رسب الطالب في الامتحان .. وجاء يجادل
واجهوه بإجابته فيسكت .. ولو لم يعقد الامتحان لادعي كل طالب أنه يستحق
مرتبة الشرف.

إذا قال الحق تبارك وتعالى: "مالك يوم الدين" .. أي
الذي يملك هذا اليوم وحده يتصرف فيه كما يشاء .. وإذا قيل: "مالك يوم
الدين" فتصرفه أعلى على المالكين لأن المالك لا يتصرف إلا في ملكه .. ولكن
الملك يتصرف في ملكه وملك غيره .. فيستطيع أن يصدر قوانين بمصادرة أو
تأميم ما يملكه غيره.

الذين قالوا: "مالك يوم الدين" اثبتوا لله
سبحانه وتعالى أنه مالك هذا اليوم يتصرف فيه كما يشاء دون تدخل من أحد ولو
ظاهرا: والذين يقرأون ملك .. يقولون أن الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم
يقضي في أمر خلقه حتى الذين ملكهم في الدنيا ظاهرا .. ونحن نقول عندما
يأتي يوم القيامة لا مالك ولا ملك إلا الله.

الله تبارك وتعالى
يريد أن يطمئن عباده .. أنهم إذا كانوا قد ابتلوا بمالك أو ملك يطغى عليهم
فيوم القيامة لا مالك ولا ملك إلا الله جل جلاله .. عندما تقول مالك أو
ملك يوم الدين .. هناك يوم وهناك الدين .. اليوم عندنا من شروق الشمس إلي
شروق الشمس .. هذا ما نسيمه فكليا يوما .. واليوم في معناه ظرف زمان تقع
فيه الأحداث ..

والمفسرون يقولون: "مالك يوم الدين" أي مالك أمور
الدين لأن ظرف الزمان لا يملك .. نقول أن هذا بمقاييس ملكية البشر، فنحن
لا نملك الزمن .. الماضي لا نستطيع أن نعيده، والمستقبل لا نستطيع أن نأتي
به .. ولكن الله تبارك وتعالى هو خالق الزمان .. والله جل جلاله لا يحده
زمان ولا مكان .. كذلك قوله تعالى: "مالك يوم الدين" لا يحده زمان ولا
مكان .. واقرأ قوله سبحانه:

{ويستعجلوك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون "47"}
(سورة الحج)

وقوله تعالى:

{تعرج الملائكة والروح إليه في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ "4" }
(سورة المعارج)

وإذا
تأملنا هاتين الآيتين نعرف معنى اليوم عند الله تبارك وتعالى .. ذلك أن
الله جل جلاله هو خالق الزمن .. ولذلك فإنه يستطيع أن يخلق يوما مقداره
ساعة .. ويوما كأيام الدنيا مقداره أربع وعشرون ساعة .. ويوم مقداره ألف
سنة .. ويوما مقداره خمسون ألف سنة ويوما مقداره مليون سنة .. فذلك خاضع
لمشيئة الله.

ويوم الدين موجود في علم الله سبحانه وتعالى.
بأحداثه كلها بجنته وناره .. وكل الخلق الذين سيحاسبون فيه .. وعندما يريد
أن يكون ذلك اليوم ويخرج من علمه جل جلاله إلي علم خلقه .. سواء كانوا من
الملائكة أو من البشر أو الجان يقول: كن .. فالله وحده هو خالق هذا اليوم
.. وهو وحده الذي يحدد كل أبعاده ..

واليوم نحن نحدده ظاهرا بأنه
أربع وعشرون ساعة .. ونحدده بأنه الليل والنهار .. ولكن الحقيقة أن الليل
والنهار موجودان دائما على الأرض .. فعندما تتحرك الأرض، كل حركة هي نهاية
نهار في منطقة وبداية نهار في منطقة أخرى .. وبداية ليل في منطقة ونهاية
ليل في منطقة أخرى .. ولذلك في كل لحظة ينتهي يوم ويبدأ يوم .. وهكذا فإن
الكرة الأرضية لو أخذتها بنظرة شاملة لا ينتهي عليها نهار أبدا .. ولا
ينتهي عنها ليل أبدا .. إذن فاليوم نسبي بالنسبة لكل بقعة في الأرض ..
ولكنه في الحقيقة دائم الوجود على كل الكرة الأرضية.

والله
سبحانه وتعالى يريد أن يطمئن عباده .. أنهم إذا أصابهم ظلم في الدنيا ..
فإن هناك يوم لا ظلم فيه .. وهذا اليوم الأمر فيه لله وحده بدون أسباب ..
فكل إنسان لو لم يدركه العدل والقصاص في الدنيا فإن الآخرة تنتظره ..
والذي أتبع منهج الله وقيد حركته في الحياة يخبره الله سبحانه وتعالى أن
هناك يوم سيأخذ فيه أجره وعظمة الآخرة أنها تعطيك الجنة .. نعيم لا يفوتك
ولا تفوته.

ولقد دخل أحد الأشخاص على رجل من الصالحين .. وقال
له: أريد أن أعرف .. أأنا من أهل الدنيا أم من الآخرة؟ .. فقال له الرجل
الصالح .. أن الله أرحم بعباده، فلم يجعل موازينهم في أيدي أمثالهم ..
فميزان كل إنسان في يد نفسه .. لماذا؟ .. لأنك تستطيع أن تعرف أأنت من أهل
الدنيا أم من أهل الآخرة.
قال الرجل كيف ذلك؟ فرد العبد الصالح: إذا
دخل عليك من يعطيك مالا .. ودخل عليك من يأخذ منك صدقة .. فبأيهما تفرح؟
.. فسكت الرجل .. فقال العبد الصالح: إذا كنت تفرح بمن يعطيك مالا فأنت من
أهل الدنيا .. وإذا كنت تفرح بمن يأخذ منك صدقة فأنت من أهل الآخرة .. فإن
الإنسان يفرح بمن يقدم له ما يحبه .. فالذي يعطيني مالا يعطيني الدنيا ..
والذي يأخذ مني صدقة يعطيني الآخرة .. فإن كنت من أهل الآخرة .. فأفرح بمن
يأخذ منك صدقة .. أكثر من فرحك بمن يعطيك مالا.
ولذلك كان بعض
الصالحين إذا دخل عليه من يريد صدقة يقول مرحبا بمن جاء يحمل حسناتي إلي
الآخرة بغير أجر .. ويستقبله بالفرحة والترحاب.

قول الحق سبحانه
وتعالى: "مالك يوم الدين" .. هي قضية ضخمة من قضايا العقائد .. لأنها
تعطينا أن البداية من الله، والنهاية إلي الله جل جلاله .. وبما أننا
جميعا سنلقى الله، فلابد أن نعمل لهذا اليوم .. ولذلك فإن المؤمن لا يفعل
شيئا في حياته إلا وفي باله الله .. وأنه سيحاسبه يوم القيامة .. ولكن غير
المؤمن يفعل ما يفعل وليس في باله الله .. وعن هؤلاء يقول الحق سبحانه:

{والذين
كفروا أعمالهم كسراب بقيعةْ يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً
ووجده الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب "39"}
(سورة النور)

وهكذا
من يفعل شيئا وليس في باله الله .. سيفاجأ يوم القيامة بأن الله تبارك
وتعالى الذي لم يكن في باله موجود وأنه جل جلاله هو الذي سيحاسبه

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 18:26

سورة آل عمران

{ لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }
(113)



وهذا
ما حدث بالفعل، لكن أي آيات لله كانوا يتلونها؟ إنها الآيات المهيمنة،
آيات القرآن ولماذا يقول الحق: { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } وهل هناك قراءة
للقرآن ساعة السجود؟ حتى نعرف تفسير ذلك لا بد لنا أن نعرف أن اليهود لا
يصلون العتمة، أي الصلاة في الليل، وحتى يعطيهم الله السمة الإسلامية قال
عنهم: { يَسْجُدُونَ } ويُعَرّفَهم بأنهم يقيمون صلاة العتمة، - العشاء -
وهي صلاة المسلمين، وما داموا يصلون صلوات المسلمين ويسجدون، إذن فهم
مسلمون أو نفهم من قوله: { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } أن الصلاة عنوان الخضوع،
والسجود أقوى سمات الخضوع في الصلاة. ما داموا يصلون فلا بد أنهم يتلون
آيات الله آناء الليل وهم يؤدون الصلاة بخشوع كامل. ونعرف أن من حسن
العبادة في الإسلام، ومن السنن المعروفة قراءة القرآن ليلا، وصلاة التهجد،
وهذه في مدارج العملية الإيمانية التي يدخل بها الإنسان إلى مقام الإحسان.

و
{ آنَآءَ } جمع " إني " مثلها مثلٍ " أمعاء " جمع " معي ". و " آنَآءَ "
هي مجموع الأوقات في الليل، وليست في " إني " واحد. فهناك مؤمن يقرأ
القرآن في وقت من الليل، ومؤمن آخر يقرأ القرآن في وقت آخر، وكأن المؤمنين
يقطعون الليل في قراءة للقرآن، والذي يدخل مع ربه في مقام الإحسان، فهو لا
يصلي فقط صلاة العتمة وهي ستأخذ " إنِّي " واحدا، أي وقتا واحدا، ولكنه
عندما يصلي في آناء الليل فذلك دليل على أنه يكرر الصلاة، وزاد عن المفترض
عليه، وما دام قد زاد عن المفترض، فهو لا يكتفي بتلاوة القرآن لأنه يريد
أن يدخل في مقام الإحسان، أي أنه وجد ربه أهلا لأن يصلي له أكثر مما افترض
عليه، كأنه قد قال لنفسه: أنت كلفتني يارب بخمس صلوات لكنك يارب تستحق
أكثر من ذلك وكأن هذا البعض من أهل الكتاب لم يكتفوا بإعلان الإيمان
بالإسلام فقط، ولكنهم دخلوا بثقلهم، فصلوا آناء الليل. وأحبوا أن ينطبق
عليهم قول الله تعالى:
{ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ *
آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ
مُحْسِنِينَ }[الذاريات: 15-16]

ما معنى " محسن "؟ إنها وصف
للإنسان الذي آمن بربه فعبد الله بأكثر مما افترض تعبدنا الله بخمس صلوات
فنزيدها لتصل إلى عشرين مَثَلاً، ونحن تعبدنا الله بصيام شهر في العام
ومنا من يصوم في كل شهر عددا من الأيام.وتعبدنا بالزكاة بالنصاب، ومنا من
يزيد على النصاب، وتعبدنا سبحانه بالحج مرة، ومنا من يزيد عدد مرات الحج.
فحين يريد العبد أن يدخل في مقام الإحسان فبابه هو أداء عبادات من جنس ما
تعبده الله به؛
فالعبد لا يخترع أو يقترح العبادة التي يعبد بها الله، ولكنه يزيد فيما افترضه الله.
وهؤلاء
الذين آمنوا بالله من أهل الكتاب ويتحدث عنهم القرآن، لقد دخلوا بثقلهم في
الإسلام فصلوا آناء الليل وقرءوا القرآن، ودخلوا مقام الإحسان، وأرادوا أن
يطبقوا القول الحق:
{ كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ }[الذاريات: 17]

أي
أنهم ما داموا قد صلوا في الليل، وقليلا ما هجعوا فلا بد أنهم قد أدوا
الصلاة في آناء كثيرة من الليل. ونحن حين ندخل في مقام الإحسان ونصلي في
الليل، ونكون بارزين إلى السماء فلا يفصلنا شيء عنها، وننظر فنجد نجوما
لامعة تحت السماء الدنيا، وأهل السماء ينظرون للأرض فيجدون مثلما نجد من
النجوم المتلألئة اللامعة في الأرض، ويسألون عنها فيقال لهم: إنها البيوت
التي يصلي أهلها آناء الليل وهم يسجدون، وكل بيت فيه هذا يضيء كالنجوم
لأهل السماء,. ويضيف الحق في صفات هؤلاء: { وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ } وهل فرض الله على خلقه بأن يصلوا آناء الليل فلا يهجعون
إلا قليلا من الليل؟ لا، ولكن من يريد أن يدخل في مقام الإحسان، فهو يفعل
ذلك. أما المسلم العادي فيكتفي بصلاة العشاء، وعندما يأتي الصبح فهو يؤدي
الفريضة. لكن من يدخل في مقام الإحسان فقليلا من الليل ما يهجع. وينطبق
عليه القول الحق:
{ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ *
آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ
مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ *
وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ
لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ }[الذاريات: 15-19]

وهذه دقة البيان
القرآني التي توضح مقام الإحسان، فيكون في ما لهم حق للسائل والمحروم،
وليس هناك قدر معلوم للمال الذي يخرج، لأن المقام هنا مقام الإحسان الذي
يعلو مقام الإيمان، ومقام الإيمان - كما نعرف - قد جاء ذكره في قوله الحق:
{
وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ
وَٱلْمَحْرُومِ * وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ }[المعارج:
24-26]

فالإنسان في مقام الإيمان قد يقيد الإخراج من ماله بحدود
الزكاة أو فوقها قليلا، لكن في مقام الإحسان فلا حدود لما يخرج من المال.
وهكذا نعرف أن أهل الكتاب ليسوا سواء؛ فمنهم من دخل الإسلام من باب
الإحسان، فقال فيهم الحق: { لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ
أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ
يَسْجُدُونَ } ، وكأن الحق بهذا الاستثناء الواضح. ويؤكد لنا أننا لا يصح
أن نظن أن أهل الكتاب جميعهم هم الذين جاء فيهم قوله: { ذٰلِكَ
بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ
ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ
يَعْتَدُونَ } لا؛ فأهل الكتاب ليسوا سواء، ولذلك لا يكون حكم الله منسحبا
عليهم جميعا، فمن أهل الكتاب جماعة قائمة بتلاوة القرآن آناء الليل وهم
يسجدون، إنهم أمة قائمة، وكلمة " قائم " هي ضد " قاعد " ، والقعود غير
الجلوس، فالجلوس يكون عن الاضطجاع فيقال: كان مضطجعا فجلس.
لكن عندما
نقول: " كان قائما " فإننا نقول فقعد، فالقعود يكون بعد القيام. والقعود
في الصلاة مريح، أما القيام فهو غير مريح، ونحن نعرف أن الرسول صلى الله
عليه وسلم كان يقف في الصلاة حتى تتورم قدماه؛ لأن الثقل كله على القدمين،
ولكن عندما نقعد فنحن نوزع الثقل على جملة أعضاء الجسم. وعندما يصفهم
الحق: { مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ } فمعنى ذلك أنهم
أخذوا أمانة أداء الفروض بكل إخلاص، وكانوا يؤدون الصلاة باستدامة وخشوع.
ويستمر الحق في وصفهم في الآية التالية:
{ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ... }


****************************************

{
يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ
وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } (114 )


وهم بالإيمان
بالله واليوم الآخر، وبالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إنما يتصفون
بالصفات التي أوردها الله صفة لخير أمة أٌخرجت للناس وهي أمة محمد صلى
الله عليه وسلم. لقد دخل هذا البعض من أهل الكتاب بثقلهم - ومن أول الأمر
- في مقام الإحسان، وما داموا قد دخلوا في مقام الإحسان فهم بحق كانوا
مستشرفين لظهور النبي الجديد. وبمجرد أن جاء النبي الجديد تلقفوا الخيط
وآمنوا برسالته، وصاروا من خير أمة أخرجت للناس. ويكمل الحق سبحانه صفاتهم
بقوله: { وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ } وهذا كمثل قوله سبحانه وتعالى
في حق المؤمنين:
{ وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
}[آل عمران: 133]

ونحن نعرف أن هناك فرقا بين " السرعة " و "
العجلة " فـ " السرعة " و " العجلة " يلتقيان في تقليل الزمن بالنسبة
للحدث، ومثال ذلك أن يقطع إنسان المسافة من مكان إلى مكان في زمن معين،
والذي يسرع في قطع المسافة هو الذي يستغرق من الزمن أقل وقت ممكن ولكن
هناك اختلاف بين السرعة والعجلة، وأول خلاف بينهما يتضح في المقابل،
فمقابل السرعة الإبطاء، ويقال: فلان أسرع، وعلان أبطأ ومقابل " العجلة "
هو " الأناة " فيقال: فلان تأنى في اتخاذ القرار. فالسرعة ممدوحة ومقابلها
وهو " الإبطاء " مذموم، " والعجلة " مذمومة، ومقابلها هو التأني ممدوح؛
لأن السرعة هي التقدم فيما ينبغي التقدم فيه، والعجلة هي التقدم فيما لا
ينبغي التقدم فيه، ولذلك قيل في الأمثال: " في العجلة الندامة وفي التأني
السلامة " وقال الحق:
{ وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ }[آل عمران: 133]

وهو
سبحانه: هنا يقول { وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ } أي كلما لمحت لهم
بارقة في الخير فهم يسرعون إليها، أي أنهم يتقدمون فيما ينبغي التقدم فيه،
إنهم يعلمون أن الإسراع إلى الخير حدث، وكل حدث يقتضي حركة، والحركة تقتضي
متحركاـ والمتحرك يقتضي حياة، فما الذي يضمن للإنسان أن تظل له حياة، لذلك
يجب أن تسرع إلى الخيرات، وسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه
كان ينام القيلولة، وكان حاجبه يمنع الناس من إيقاظ الخليفة، فجاء ابن عمر
بن عبد العزيز وقال للحاجب:

أريد أن أدخل على أمير المؤمنين
الساعة، فمنعه الحاجب قائلا: إنها ساعة يستريح فيها وهو لا يستريح من
الليل أو النهار إلاّ فيها، فدعه ليستريح. وسمع سيدنا عمر بن عبد العزيز
الضجة، فسأل الحاجب. قال الحاجب: إنه ابنك، ويريد أن يدخل عليك وأنا
أطالبه ألا يدخل حتى تستريح. قال عمر بن عبد العزيز للحاجب: دعه يدخل.
فلما دخل الابن على أبيه، قال الابن: يا أبي بلغني أنك ستخرج ضيعة كذا
لتقفها في سبيل الله.
قال عمر بن عبد العزيز؛ أفعل إن شاء الله. غدا
نبرمها. قال الابن متسائلا: هل يبقيك الله إلى غد؟ فقال عمر بن عبد العزيز
وهو يبكي: الحمد لله الذي جعل من أولادي من يعينني على الخير.

لقد
أراد الابن من أبيه أن يسارع إلى الخير، فما دامت هبة الخير قد هبَّت عليه
فعلى الإنسان أن يأخذ بها؛ لأن الإنسان لا يدري أغيار الأحداث في نفسه،
لذلك فعليه أن يسارع إلى اقتناص هبة الخير، وها هو ذا ابن عمر بن عبد
العزيز يعين والده على الخير، لكننا في زمننا قد نجد من الأبناء من يطلب
الحَجْر على أبيه إن فكر الأب في فعل الخير، متناسين قول الحق:
{ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِين }.

وهنا يبرز سؤال هو: لأي عمل هم صالحون؟

والإجابة
تقتضي قليلا من التأمل، إننا نقول في حياتنا: " إن فلانا رجل صالح "
ومقابله " رجل طالح ". والإنسان صالح للخلافة، فقد جعل الله آدم وذريته
خلفاء في الأرض، والرجل الصالح يرى الشيء الصالح في ذاته فيترك هذا الشيء
على ما هو عليه أو يزيده صلاحا. أما الرجل الطالح أو المفسد فهو يأتي إلى
الشيء الصالح فيفسده، ولا يفعل صلاحا.

إن الرجل - على سبيل المثال
- قد يجد بئرا يأخذ منه الناس الماء، فإن لم يكن من أهل العزم فإنه يتركه
على حاله. وإن كان طالحا فقد يردم البئر بالتراب. أما إن كان الرجل من أهل
الصلاح والعزم فهو يحاول أن يبدع في خدمة الناس التي تستقي من البئر،
فيفكر ليبني خزانا عاليا ويسحب الماء من البئر بآلة رافعة، ويخرج من
الخزان أنابيب ويمدها إلى البيوت، فيأخذ الناس المياه وهم في المنازل، إن
هذا الرجل قد استخدم فكره في زيادة صلاح البئر.

إذن فكلمة " رجل
صالح " تعني أنه صالح لأن يكون خليفة في الأرض وصالح لاستعمار الأرض أي أن
يجعلها عامرة، فيترك الصالح في ذاته، أو يزيده صالحا، ويحاول أن يصلح أي
أمر غير صالح. الرجل الصالح عندما يعمل فهو يحاول أن يجعل عمله عن عمق
علم، فلا يقدم على العمل الذي يعطي سطحية نفع ثم يسبب الضرر من بعد ذلك.

ومثال
ذلك حين اخترعوا المبيدات الحشرية ظنوا أنهم تغلبوا على الآفات في
الزراعة، لكنهم لم يعرفوا أنهم قد أضروا بالزراعة وبالبيئة أكثر مما
أفادوا، لذلك عادوا يقولون: لا تستعملوا هذه المبيدات؛ لأنها ذات أضرار
جمة، ولهذا لا بد أن يكون كل عمل قائما على قواعد علمية سليمة، ولنقرأ
قوله تعالى:
{ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ
ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ
مَسْؤُولاً }[الإسراء: 36]
وقوله سبحانه:
{ قُلْ هَلْ
نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ
فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ
صُنْعاً }
[الكهف: 103-104]

إذن فقد كرم الله من آمن من أهل
الكتاب فوصفهم الوصف الحقيقي، فهم يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون،
ويؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسارعون
في الخيرات، ثم يحكم الحق عليهم حكما عاما بأنهم من الصالحين لعمارة الكون
والخلافة في الأرض.

ومن بعد ذلك يضيف الحق: { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ }

*********************************

{ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ } (115)

إنه
سبحانه يعطيهم الجزاء العادل، وإن شيئا لا يضيع عنده وهو الحق؛ فالخير
الذي يفعلونه لن يُجحد لهم أو يستر عن الناس؛ لأنه سبحانه عليم بالمتقين،
فمن الجائز أن يصنع إنسان الأعمال ولا يراها أحد، أما الحق فهو يرى كل
عمل، وهو الذي يملك حسن الجزاء. وبعد ذلك يعود الحق لتبيان حال الذين
كفروا فيقول: { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ
أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً...

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 18:26

{
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ
أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ
هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }
(116)


يظن الكافرون أن الأموال
والأولاد قد تغني من الله، إنهم لا يحسنون التقدير، فالأموال والأولاد هما
من مظان الفتنة مصداقا لقوله تعالى:
{ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } [الأنفال: 28]

وما
دامت الأموال والأولاد فتنة فلا بد أن نفهم الأمر على حقيقته؛ فالفتنة
ليست مذمومة في ذاتها؛ لأن معناها اختبار وامتحان، وقد يمر الإنسان
بالفتنة، وينجح. كأن يكون عنده الأموال والأولاد، وهم فتنة بالفعل فلا
يغره المال بل إنه استعمله في الخير، والأولاد لم يصيبوه بالغرور بل علمهم
حمل منهج الله وجعلهم ينشأون على النماذج السلوكية في الدين، لذلك فساعة
يسمع الإنسان أي أمر فيه فتنة فلا يظن أنها أمر سيء بل عليه أن يتذكر أن
الفتنة هي اختبار وابتلاء وامتحان، وعلى الإنسان أن ينجح مع هذه الفتنة؛
فالفتنة إنما تضر من يخفق ويضعف عند مواجهتها. والكافرون لا ينجحون في
فتنة الأموال والأولاد، بل سوف يأتي يوم لا يملكون فيه هذا المال، ولا
أولئك الأولاد، وحتى إن ملكوا المال فلن يشتروا به في الآخرة شيئا، وسيكون
كل واحد من أولادهم مشغولا بنفسه، مصداقا لقول الحق:
{ يٰأَيُّهَا
ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ
عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ
وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ
يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } [لقمان: 33]

إن كل امرئ له
يوم القيامة شأن يلهيه عن الآخرين، والكافرون في الدنيا مشغولون بأموالهم
وأولادهم وعندما نتأمل قوله: { لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ } نجد أننا نقول:
أغناه عن كذا أي جعله في استغناء فمن هو الغَنيُّ إذن؟ الغني هو من تكون
له ذاتية غير محتاجة إلى غيره، فإن كان جائعا فهو لا يأَكل من يد الغير،
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" ليس الغني عن كثرة العرض، ولكن الغني غنى النفس ".

والمقصود
بالعَرَض هو متاع الحياة الدنيا قلّ أو كثر، ومتاع، وعرض الدنيا كالماء
المالح، كلما شربت منه ازددت ظمأ. إن الكافر من هؤلاء يخدع نفسه ويغشها،
ويغتر بالمال والأولاد وينسى أن الحياة تسير بأمر من يملك الملك كله، إن
الكافر يأخذ مسألة الحياة في غير موقعها، فالغرور بالمال والأولاد في
الحياة أمر خادع، فالإنسان يستطيع أن يعيش الحياة بلا مال أو أولاد. ومن
يغتر بالمال أو الأولاد في الحياة يأتي يوم القيامة ويجد أمواله وأولاده
حسرة عليه, لماذا؟ لأنه كلما تذكر أن المال والأولاد أبعداه عما يؤهله
لهذا الموقف فهو يعاني من الأسى ويقع في الحسرة.

ويقول الحق سبحانه
عن هذا المغتر بالمال والأولاد وهو كافر بالله: { وَأُوْلَـٰئِكَ
أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } وهذا مصير يليق بمن يقع في
خديعة نفسه بالمال أو الأولاد.

وكيف يكون الإنسان صاحباً للنار؟
لنعرف أولا معنى كلمة " الصاحب " ، إن الصاحب هو الملازم؛ فنحن نقول: فلان
صاحب فلان أي ملازمه، لكن من أين تبدأ الصحبة؟. إن الذي يبدأ الصحبة هو "
فلان " الأول، لـ " فلان الثاني " الذي يقبل الصحبة أو يرفضها، وهذا أمر
قد نعرفه وقد لا نعرفه، وعن الصحبة مع النار نرى أن الإنسان يلوم نفسه
ويؤنبها على أنه اختار النار وصاحبها.

ألسنا نرى في الحياة إنسانا
قد ارتكب ذنبا وأصابه ضرر، فيضرب نفسه ويقول: أنا الذي استأهل ما نزل بي
وأستحقه، وكذلك الإنسان الكافر يجد نفسه يوم القيامة، وهو يدخل النار،
ويقول لنفسه: أنا أستحق ما فعلته بنفسي، وتقول النار لحظتها ردا على سؤال
الحق لها:
{ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ }[ق: 30]

وفي
الآخرة نرى أبعاض الإنسان الكافر وهي تبغض صاحبها، فإذا كان للإنسان ولاية
على أبعاضه في الدنيا، وهي خاضعة لإرادته إلا أن هذه الأبعاض تأتي يوم
القيامة وصاحبها خاضع لإرادتها. إن الظالم يقول ليده في الدنيا، " اضربي
فلانا وشددى الصفعة " فلم تعصه يده في الدنيا؛ لأن الله خلقها خاضعة
لإرادته، والظالم لنفسه بالكفر يأمر لسانه أن ينطق كلمة الكفر، فلا يعصاه
اللسان في الدنيا، لماذا؟ لأن أبعاضه خاضعة لإرادته في الحياة الدنيا، لكن
ذلك الكافر يأتي يوم القيامة وتنعزل عن إرادته، فتتحرر أبعاضه، ولا تكون
مرغمة على أن تفعل الأفعال التي لا ترتضيها، وتتمرد الأبعاض على صاحبها،
وتشهد عليه. قد يقول قائل: ولكن الأبعاض هي التي تتعذب. نعم، ولكنها تقبل
العذاب تكفيرا عما فعلت.

إذن فالصحبة تبدأ من الأبعاض للنار {
وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } فإن رأينا
كفارا يعملون خيرا في الدنيا فليحذر كل منا نفسه قائلا: إياك يا نفس أن
تنخدعي بذلك الخير. لماذا؟ لأن الكافر يعيش كفر القمة، وكل عمل مع كفر
القمة هو عمل حابط عند الله، وإن كان غير حابط عند الناس.
وبعد ذلك يقول الحق عن هؤلاء الكافرين:
{
مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ
رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ
فَأَهْلَكَتْهُ... }




سورة آل عمران


{
مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ
رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ
فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ } (117 )


إن الحق يصف ما ينفقه هؤلاء الكافرون في
أثناء الحياة الدنيا وهم بعيدون عن منهج الله إنه - سبحانه - يشبهه بريح
فيها صر، أي شدة، فمادة " الصاد والراء " تدل على الشدة والضجة والصخب،
ومثال ذلك ما قاله الحق عن إمرأة إبراهيم:
{ فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ }[الذاريات: 29]

إنها أتت وجاءت بضجيج؛ لأنها عجوز وعقيم ويستحيل عادة أن تلد. ومثل قوله الحق:
{ وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ }[الحاقة: 6]

والريح الصرصر هي التي تحمل الصقيع ولها صوت مسموع.

وقوله
الحق: { كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } أي أن الريح جعلت البرد شائعا
وشديدا، فالبرد قد يكون في منطقة لا ريح فيها، ويظل باقيا في منطقته تلك،
وعندما تأتي الريح فإنها تنقل هذا البرد من مكان إلى مكان آخر، فتتسع
دائرة الضرر به. وماذا تفعل الريح التي فيها شِدة برد؟ إنها تفعل الكوارث،
ويقول عنها الحق: { أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ
فَأَهْلَكَتْهُ } وساعة نسمع كلمة " حرث " فنحن نعرف أنه الزرع، وقد سماه
الله حرثاً، ليعرف الإنسان إنه إن لم يحرث فلن يحصد، يقول الحق:
{
أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ
ٱلزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ
تَفَكَّهُونَ }
[الواقعة: 63-65]

كأن الريح العارمة تفسد الحرث،
وهو العملية اللازمة للإنبات؛ فالحرث إثارة للأرض، أي جعل الأرض هشة لتنمو
فيها الجذور البسيطة، وتقوى على اختراقها، وأخذ الغذاء منها، وهذه الجذور
تستطيع - أيضا - من خلال هشاشة الأرض المحروثة أن تأخذ الهواء اللازم
للإنبات.

إن الحق سبحانه يريد أن يضرب لنا المثل وهو عن جماعة غير
مؤمنين أنفقوا أموالهم في الخير، لكن ذلك لا ينفعهم ولا جدوى منه. مصداقا
لقوله تعالى: { كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ
ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ
وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } وهكذا يكون مصير الإنفاق على نية
غير مؤمنة، كهيئة الحرث الذي هبت عليه ريح فيها صوت شديد مصحوب ببرد، فالـ
" صر " فيه الشدة والبرودة والعنف، وحاتم الطائي كريم العرب يقول لعبده:
أوقد؛ فإن الليل ليل قر والريح يا غلام ريح صر
عَلَّ يرى نارك من يمر إن جلبت ضيفا فأنت حر
إن
هذا الرجل الكريم يطلق سراح العبد إذا ما هدى ضيفاّ إلى منزل حاتم الطائي.
" والليل القر ": هو الليل الشديد البرودة. و " الريح الصر ": هي الريح
الشديدة المصحوبة بالبرد. ونعرف في قُرَاَنا أن الصقيع ينزل على بعض
المزروعات، فيتلفها. ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه قد جاء بهذه الآية الكريمة
بعد أن أوضح لنا في الآية السابقة عليها أن الذين كفروا لن تغني عنهم
أموالهم ولا أولادهم شيئا ومصيرهم النار، وهو سبحانه يدفع أي شبهة تطرأ
على السامع، وهي أن هذه الأموال التي أنفقها الكافرون لعمل الخير، لن تغني
عنهم شيئا في الآخرة؛ لأنهم لا يملكونها. لماذا؟

لأن العمل إنما
يراد للثواب عليه، والنية دائما هي التي تحدد الهدف من كل حركة.. فهل كان
في نية الكفار حين أنفقوا أموالهم في الخير الذي يعلمه الناس كالمساعدات،
وتفريج الكرب، وإنشاء المستشفيات هل كان في بال هؤلاء الكفار رَبُّ هذه
النعم، أو كانوا يعملونها طمعا في جاه الدنيا، وتقدير التاريخ وذكر
الإنسانية؟

لا شك أنهم كانوا يعملونها للجاه، أو للتاريخ، أو
للإنسانية؛ لأنهم لا يؤمنون بما وراء ذلك، فهم لا يؤمنون بوجود إله, ولا
يؤمنون بوجود يوم آخر يًُحَاسبون فيه على ما قدموا. وقلنا من قبل: إن الذي
يعمل عملا فليطلب أجره ممن عمل له، وما داموا قد عملوا للدنيا وذكرها،
وجاهها، والفخر فيها، فقد أعطتهم الدنيا كل شيء.

الحق سبحانه
وتعالى يضرب لنا مثلا، وهو الذي يضرب الأمثال للناس لعلهم يتذكرون. ومعنى
المثل: أن يأتي إلى أمر معنوي قد يغيب عن بعض العقول فهمه، فيشخصه ويمثله
بأمر حسي يعرفه الجميع، ونحن نعرف أن المحسات هي أصل المعنويات في الفهم.
ونعرف أن الطفل أول ما تتفتح إدراكاته يدرك الشيء المحس أولا، ثم بعد ذلك
يكوّن من المحسات المعقولات.

فالطفل - على سبيل المثال - يرى نارا
فيمسكها فتحرقه، فيتكون عند الطفل اقتناع بأن النار محرقة. ويشرب الطفل
عسلا، فيجده حلوا، فيتكون عنده اقتناع بأن العسل حلو الطعم، ويأكل الطفل
شيئا مرا كالحنظل، فتتكون عنده قضية معلومة وهي أن هذا الشيء مر الطعم،
فكل المعلومات التي يعرفها الإنسان بوسائل إدراكه المتعددة إنما تأتي من
الأمور المحسة أولا.

والأمور المحسة - كما علمنا - وسائلها الحواس
الخمس الظاهرة، وهي: العين لترى، والأذن لتسمع، والأنف ليشم، واللسان
ليذوق، والأنامل لتلمس، وهكذا نعرف أن كل حاسة ظاهرة لها غاية في الإدراك.
والإنسان يتمتع بحواس أخرى ندرك أعمالها، ولكنا لا ندرك أجهزتها أو آلاتها.

مثال
ذلك: حاسة البعد وهي أن يعرف الإنسان هل الشيء الذي يراه قريب منه أو بعيد
عنه؟ وكذلك حاسة الثقل فيحمل الإنسان الشيء فيعرف مدى ثقله، إنه يدرك ذلك
الثقل بحاسة غير الحواس الخمس الظاهرة، هذه الحاسة هي حاسة الثقل يكتشف
بها الإنسان أن شيئا أثقل من شيء آخر؛ ذلك أن العضلات التي تحمل الشيء
تعرف قدر الجهد المبذول في الحمل. وهناك حاسة أخرى غير ظاهرة هي حاسة "
البَين " فيمسك الإنسان القماش بأنامله ليعرف هل سمك هذا القماش أكبر من
سمك قماش آخر؟ ولمعرفة سمك الشيء لا بد أن يكون واقعا بين لامسين.
إذن فهناك حواس كثيرة تربي المعاني عندنا؛ فكل الإدراكات بنت الحس، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
{
وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
[النحل: 78]

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 18:29

سورة آل عمران

{
هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ
بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا
خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ
بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } ( 119 )


وما
زال الحديث والكلام عن البطانة، وهو يدل على أن البطانة لم تستطع أن تلوي
المؤمنين عن الإيمان، بل إن المؤمنين الذين ذاقوا حلاوة الإيمان حاولوا أن
يغيروا من الكافرين. ولم يفلح الكافرون أن يغيروا من المؤمنين، وكذلك لم
يفلح الكافرون أيضا أن يسيطروا على أنفسهم، ولم يكن أمام هؤلاء الكافرين
إلا النفاق، لذلك قالوا: " آمنا ". إن الآية تدلنا على أن المؤمنون قد
عقلوا آيات الحق. ولماذا - إذن - جاء الحق بقوله: " تحبونهم ولا يحبونكم "؟

لقد
أحب المؤمنون الكافرين حين شرحوا لهم قضية الحق في منهج الإسلام، وأرادوا
المؤمنون أن يجنبوا الكافرين متاعب الكفر في الدنيا والآخرة، وهذا هو الحب
الحقيقي، فهل بَادَلَهُم الكافرون الحب؟ لا؛ لأن هؤلاء الكافرون أرادو أخذ
المؤمنين إلى الكفر، وهذا دليل عدم المودة. ولم يستطع الكافرون تحقيق هذا
المأرب، ولذلك قالوا: " آمنا " ومعنى قولهم: " آمنا " يدلنا على أن موقف
المسلمين كان موقفا صُلبا قويا؛ لذلك لم يجد الكافرون بداً من نفاقهم {
وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا } قالوا ذلك على الرغم من ظهور
البغضاء في أفواههم، ولم يكن سلوكهم مطابقا لما يقولون. وهنا بدأ المسلمون
في تحجيم وتقليل مودتهم للكافرين؛ ولذلك قال أهل الكفر: لو استمر الأمر
هكذا فسوف يتركنا هؤلاء المسلمون.. وحتى يتجنبوا هذا الموقف ادعوا الإيمان
في الظاهر، وينقلب موقفهم إذا خلوا لأنفسهم، ويصور الحق هذا الموقف في
قوله: { وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ
} فما هو العض؟

إن العضَّ لغويا، هو التقاء الفكين على شيء
ليقضماه. وما الأنامل؟ إنها أطراف الأصابع، والأنامل فيها شيء من الدقة,
وشيء من خفة الحركة المأخوذة من خلية النمل، ويسمون الأنامل أيضا البنان،
وعملية عض الأنامل عندما نراها نجدها عملية انفعالية قسرية. أي أن الفكر
لا يرتبها؛ فليس هناك من يرضي أن يظل مرتكبا لعملية عض أصابعه، فعض الأصبع
يسبب الألم، لكن الامتلاء بالغيظ يدفع الإنسان إلى عض الأصابع كمسألة
قسرية نتيجة اضطراب وخلل في الانفعال.

ومن أين يجيء الغيظ؟.

لقد
جاء الغيظ إلى الكافرين لأنهم لم يستطيعوا أن يزحزحوا المؤمنين قيد شعرة
عن منهج الله، بل حدث ما هو العكس، لقد حاول المؤمنون أن يجذبوا الكافرين
إلى نور الإيمان، وكان الكافرون يريدون أن يصنعوا من أنفسهم بطانة يدخلون
منها إلى المؤمنين لينشروا مفاسدهم؛ ولذلك وقعوا في الغيظ عندما لم يمكنهم
المؤمنون من شيء من مرادهم.

إن الإنسان يقع أحيانا فريسة للغيظ حين
لا يتمكن من إعلان غضبه على خصمه؛ ولهذا إذا أراد إنسان من أهل الإيمان أن
يواجه حسد واحد من خصومه فعليه أن يزيد في فضله على هذا الإنسان، وهنا
يزداد هذا الخصم غيظا ومرارة، أيضا نجد أن من تعاليم الإسلام أن الإنسان
المؤمن لا يقابل السيئة التي يصنعها فيه آخر بسيئة، وذلك حتى لا يرتكب
الذنب نفسه، ولكن يتَبع القول المأثور:

" إننا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه "

إنهم
بإحسان المسلمين إليهم يزدادون خصومة، وغيظا وحقدا على الإسلام وكان
المسلمون الأوائل يتصرفون بذلك الأسلوب لقد كانوا جبالا إيمانية راسخة.
فخصوم
الإسلام يعصون الله بسوء معاملتهم للمسلمين، لكنْ المسلمون يردون على سوء
المعاملة بحسن المعاملة، وساعة يرى خصوم الإسلام أن كيدهم لا يحقق هدفه
فإنهم يقعون في بئر وحمأة الغيظ. وعندما يخلون الكافرون لأنفسهم فأول
أعمالهم هو عض الأصابع من الغيظ، وهو كما أوضحت نتيجة الانفعال القسري
التابع للغضب والعجز عن تحقيق المأرب؛ ذلك أن كل تأثير إدراكي في النفس
البشرية إنما يطرق مجالا وجدانيا فيها.

والمجال الوجداني لا بد أن
يعبر عن نفسه بعملية نزوعية تظهر بالحركة؛ فالإنسان عندما يسبب لواحد
يعرفه لونا من الغضب فهو ينفعل بسرعة ويثور بالكلمات، هذا دليل على طيبة
الإنسان الغاضب. أمََّا الذي لا يظهر انفعاله فيجب الحذر منه؛ لأنه يخزن
انفعالاته، ويسيطر عليها، فلا تعرف متى تظهر ولا على أية صورة تبدو؛ ولذلك
يقول الأثر: " اتقوا غيظ الحليم " فعندما تتجمع انفعالات جديدة فوق
انفعالات قديمة متراكمة في قلب الحليم فلا أحد يعرف متى يفيض به الكيل.

إذن
فالإدراك ينشأ عنه وجدان، فينفعل الإنسان بالنزوع الحركي. والتشريع
الإسلامي لا يريد من الإنسان أن يكون حجرا أصم لا ينفعل، لكنه يطلب من
المسلم أن ينفعل انفعالا مهذبا؛ ولذلك يضع الحق للمؤمن منهجا، فيقول
سبحانه:
{ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }[آل عمران: 134]

إن
القرآن يعترف بأن هناك من الأحداث ما يستدعي غيظ الإنسان، والذي لا يغضب
على الإطلاق إنما يسلك طريقا لا يتوافق مع طبيعة البشر السوية، والله يريد
من الإنسان أن يكون إنساناً، له عواطفه وشعوره وانفعالاته، ولكن الله
المربي الحق يهذب انفعالات هذا الإنسان، ولنا في النبي صلى الله عليه وسلم
القدوة الحسنة، فحين مات ولده إبراهيم:قال عليه الصلاة والسلام:
" إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ".

إن
النبي صلى الله عليه وسلم يمزج بين العاطفة والإيمان، فالعين تدمع، والقلب
يحزن، والإنسان لا يكون أصمَّ أمام الأحداث، إنما على الإنسان أن يكون
منفعلا انفعالا مهذبا.

وعندما يعبّر القرآن عن الإنسان السويّ فهو لا يضع المؤمن في قالب حديدي بحيث لا يستطيع أن يتغير فيقول سبحانه:
{ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ }[المائدة: 54]

إذن
فيلس المؤمن مطبوعا على الذلة، ولا مطبوعا على العزة، لكنه ينفعل للمواقف
المختلفة، فهذا موقف يتطلب ذلة وتواضعا للمؤمنين فيكون المؤمن ذليلا،
وهناك موقف آخر يتطلب عزة على الكافرين المتكبرين فيكون المؤمن عزيزا،
والحق سبحانه يقول عن المؤمنين:
{ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ
وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ
تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ
وَرِضْوَاناً }
[الفتح: 29]

إن الرحمة ليست خلقا ثابتا، ولا
الشدة خلقا ثابتا ولكنَّ المؤمنين ينفعلون للأحداث، فحين يكون المؤمن مع
المؤمنين فهو رحيم، وحين يكون في مواجهة الكفار فهو قوي وشديد. والله
سبحانه لا يريد المؤمن على قالب واحد متجمد، لذلك يقول الحق:
{ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }[آل عمران: 134]

وهو سبحانه القائل:
{ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ }[النحل: 126]

إذن
فالحق لم يمنع المؤمن من أن يعاقب أحدا على خطأ، وذلك لأنه خلق الخلق
وعليم بهم، ولا يمكن أن يصادم طباعهم، وذلك حتى لا يتهدد المؤمن في إيمانه
فيما بعد، فالمؤمن لو ترك حقوقه فإن الكفار سيصولون ويجولون في حقوق
المسلمين؛ ولهذا فالمؤمن يتدرب على توقيع العقاب حتى على المؤمن المخطئ،
وذلك ليعرف المؤمن كيف يعاقب أي مجترئ على حق من حقوق الله. والمؤمن أيضا
مطالب بأن يرتقي بعقابه، فهو إما أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإما أن يرتقي
أكثر، ويستمع لقول الحق:
{ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ }[النحل: 126]

لقد
وضع الحق منهج الارتقاء بعد أن أعطى المؤمن الحق في توقيع العقاب قصاصا،
وهكذا لم يقسر الله طبع الإنسان ولو أراد سبحانه ذلك لما خلق هذا الطبع
إنه سبحانه يوضح لنا أن هناك انفعالا بالغيظ، وأن المؤمن عليه أن يحاول
كظم الغيظ أي لا يعبر عن الغيظ نزوعيا، فإن أخرج المؤمن هذا الأمر من قلبه
فمعناه أنه قد برئ وشُفِيَ منه وارتقى.

إذن فكظم الغيظ هو ألا يعبر
المؤمن عن الغيظ نزوعيا، فإن سبّك أحدٌ فأنت لا تسبّه، وهذا الكظم يعني
كتمان الانفعال في القلب، فإذا ارتقى المؤمن أكثر وتجاهل حتى الانفعال
بذلك، فإنه يُخرج الغيظ من قلبه، وهو بذلك يرتقي ارتقاء أعلى، ويصفه الحق
بأنه دخول إلى مرتبة الإحسان، فهو القائل:
{ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } وهكذا يحسن المؤمن إلى المسبب للغيظ بكلمة طيبة.

فماذا
يكون موقف الذي تسبب في غيظك أيها المؤمن وأنت قد كظمت الغيظ في المرحلة
الأولى وعفوت في المرحلة الثانية وإن أخرجت الانفعال من قلبك، وصلت إلى
المرحلة الثالثة وهي التي تمثل قمة الإيمان إنها الإحسان.. { وَٱللَّهُ
يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } لا بد أن يراجع المسبب للغيظ نفسه ويندم على ما
فعل.

إن الإسلام لم يتجاهل المشاعر الإنسانية عندما طالب المؤمنين
أن يحسنوا لمن أساء إليهم، فالذي يمعن النظر ويدقق الفهم يعرف أن الإسلام
قد أعطى المؤمن الحق في الطبع البشرى حين قال: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ
فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } ولكنه ارتقى بالمؤمن.
وعندما
ننظر إلى هذا الأمر كقضية اقتصادية وتحسبها بـ " منه " و " له " فسنجد أنّ
المؤمن قد كسب.. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - ساعة يجد الأب ابنا من
أبنائه قام بظلم أخ له فإن قلب الأب يكون مع المظلوم, فهب أن إنسانا أساء
لعبد من عباد الله فإن الله كربّ مربٍّ يغار له ونحن نعرف أن واحد قال
لعارف بالله:

أتحسن لمن أساء إليك؟ فقال العارف بالله: أفلا أحسن لمن جعل الله في جانبي؟

ولنعد
الآن إلى غيظ الكافرين من المؤمنين، إن غيظ الكافر ناتج من أن خصمه المؤمن
يحب له الإيمان وليس في قلبه ضغينة بينما الكافر يغلي من الحقد، وبسبب هذا
الأمر يكاد يفقد صوابه؛ لذلك يقول الحق: { وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ
عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ }.

و " خلوا " المقصود بها.
أن الكافرين إذا ما أصبحوا في مجتمع كفرى وليس معهم مسلم أعلنوا الغيظ من
المؤمنين، ولقد فعلوا هذا الأمر - عض الأنامل من الغيظ - في غيبة الإيمان
والمؤمنين بالله، لو كان عند هؤلاء الكافرين ذرة من تعقل لفكروا كيف فضحهم
القرآن، وهم الذين ارتكبوا هذا الفعل بعيدا عن المؤمنين؟ألم يكن لتفكيرهم
أن يصل إلى أن هناك ربًّا للمؤمنين يقول الخافيَ من الأمور لرسوله،
ويبلغها الرسول للمؤمنين.

لكنهم مع ذلك لم يفهموا هذا الفضح لهم {
وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ } وهنا
ينبغي أنْ نفهم أنَّ هناك أمراً قد يغيظ، ولكن الإنسان قد يجبن أن ينفث
غيظه، فإذا غاظك أحد فقد تذهب إليه وتنفعل عليه، أو قد تنفعل على نفسك
وذلك هو ما يسمى بـ " تحويل النزوع ". فالغاضب يمتلئ بطاقة غضبية، ومن
يغضب عليه قد يكون قويا وصاحب نفوذ، فيخاف أن ينفعل عليه، فينفث الغاضب
طاقة غضبه على نفسه بأن يعض على أنامله، وما دامت المسألة هكذا، فقد قال
الحق:

{ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } [آل عمران: 119]

ومعنى
ذلك أن إغاظة المؤمنين لكم أيها الكافرون ستستمر إلى أن تموتوا من الغيظ؛
لذلك فلا طائل من محاولتكم جذب المؤمنين إلى الكفر: { قُلْ مُوتُواْ
بِغَيْظِكُمْ }.

ونحن قد عرفنا أنه ساعة يؤمر الإنسان بشيء ليس في
اختياره - لأن الموت ليس في اختيارهم - وأن يختار بينه وبين شيء في
اختياره كالغيظ، فمعنى ذلك أن الأمر قد صدر إليه ليظل أسير الأمر الذي
يقدر عليه وهو الغيظ حتى يدركه الموت.

وعندما يقول الحق: {
مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } فهذا يعني أن الكافرين لن يستطيعوا الموت، ولكن
سيظلون في حالة الغيظ إلى أن يموتوا؛ لأنهم لايعرفون متى يموتون، وهكذا
يظلون على حالهم من الغيظ من المؤمنين وما دام الكافرون في حالة غيظ من
المؤمنين فهذا دليل على أن المؤمنين يطبقون منهجهم بأسلوب صحيح.

وفي
هذه الآية بشارة طيبة للمؤمنين ونذارة مؤلمة للكافرين { قُلْ مُوتُواْ
بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } إن الحق يعلمنا
أنه عليم بذات الصدور، أي بالأمور التي تطرأ على الفكر، ولم تخرج بعد إلى
مجال القول. وهو سبحانه القائل:{ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ }[آل
عمران: 118]

وما دام هو الحق العليم بما تخفي الصدور فهو قادر ليس
فقط على الجزاء بما يفعلونه من عمل نزوعي ولكنه قادر على أن يجازيهم أيضا
بأن يفضح الأعمال غير النزوعية الكامنة في صدروهم.


****************************


{
إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ
يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ
كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } ( 120 )


والقرآن
كلام الله وله - سبحانه - الطلاقة التامة والغني الكامل، والعبارات في
المعنى الواحد قد تختلف لأن كل مقام له قوله، وسبحانه يحدد بدقة متناهية
اللفظ المناسب.. إنه هو سبحانه الذي قال:
{ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ
هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ
مَنُوعاً * إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ
دَآئِمُونَ }[المعارج: 19-23]

وهو سبحانه الذي قال:
{ مَّآ
أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ
فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ
شَهِيداً }
[النساء: 79]

إنه جل وعلا يتكلم عن المس في الشر
والخير، ومرة يتكلم عما يحدث للإنسان كإصابة في الخير أو في الشر، وفي
الآية التي نحن بصدد الخواطر عنها تجد خلافا في الأسلوب فسبحانه يقول: {
إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ
يَفْرَحُواْ بِهَا } إنه لم يورد الأمر كله مَسًّا، ولم يورده كله " إصابة
" إنه كلام رب حكيم وعندما نتمعن في المعنى فإن الواحد منا يقول: هذا كلام
لا يقوله إلا رب حكيم.

ولنتعرف الأن على " المس " و " الإصابة " بعض العلماء قال: إن المس والإصابة بمعنى واحد، بدليل قوله الحق:
{ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً }[المعارج: 19-21]

ولكننا
نقول إن المس هو إيجاد صلة بين الماس والممسوس فإذا مس الرجل امرأته، فنحن
نأمره بالوضوء فقط, لأنه مجرد التقاء الماس بالممسوس والأمر ليس أكثر من
التقاء لا تحدث به الجنابة فلا حاجة للغسل، أما الإصابة فهي التقاء
وزيادة؛ فالذي يضرب واحدا صفعة فإنه قد يورم صدغة، فالكف يلتقي بالخد،
ويصيب الصدغ، وهكذا نعرف أن هناك فرقا بين المس والإصابة، وحين يقول الحق:

{ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ }، فمعنى ذلك أن الحسنة
الواقعة بسيطة، وليست كبيرة إنها مجرد غنيمة أو قليل من الخير.. وفي
حياتنا اليومية نجد من يمتلئ غيظا لأن خصمه قد كسب عشرة قروش، وقد يجد من
يقول له: لماذا لا تدخر غيظك إلى أن يكسب مائة جنيه مثلا؟ ومثل هذا الغيظ
من الحسنة الصغيرة هو دليل على أن أي خير يأتي للمؤمنين إنما يسبب التعب
والكدر للكافرين.
فبمجرد مس الخير للمؤمنين يتعب الكافرين فماذا عن أمر السيئة؟

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
the dark lord
.
.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 240
المزاج : good
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 71
تاريخ التسجيل : 11/06/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الجمعة 11 يوليو - 18:30

إن
الحق يقول: { وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا } إن الكافرين
يفرحون لأي سوء يصيب المؤمنين مع أنه كان مقتضي الإنسانية أن ينقلب الحاسد
راحما:
وحسبك من حادث بامرئ ترى حاسديه له راحمينا
يعني حسبك من حادث ومصيبة تقع على إنسان أن الذي كان يحسده ينقلب راحما له ويقول:
والله أنا حزنت من أجله.

إذن
فلمّا تشتد إصابة المؤمنين أكانت تغير من موقف الكافرين؟ لا، كان أهل
الكفر يفرحون في أهل الإيمان، وإذا جاء خير أي خير للمؤمنين يحزنون فالحق
يقول: { إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ } والحسنة هي أي خير يمسهم
مساً خفيفاً، { وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن
تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } ، فأنت
مهما كادوا لك فلن يصيبوك بأذى.


إن المطلوب منك أن تصبر على
عداوتهم، وتصبر على شرّهم، وتصبر على فرحهم في المصائب، وتصبر على حزنهم
من النعمة تصيبك أو تمسك، اصبر فيكون عندك مناعة؛ وكيدهم لن ينال منك اصبر
واتق الله: لتضمن أن يكون الله في جانبك، { وَإِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً }.

وما الكيد؟
الكيد هو أن تبيت وتحتال على إيقاع الضرر بالغير بحيث يبدو أنه كيدٌ من
غيرك، أي تدبر لغيرك لتضره. وأصل الكيد مأخوذ من الكيد والكبد، وهما بمعنى
واحد، فما يصيب الكبد يؤلم؛ لأن الكبد هو البضع القوي في الإنسان، إذا
أصابه شيء أعيى الإنسان وأعجزه، ويقولون: فلان أصاب كبد الحقيقة أي توصل
إلى نقطة القوة في الموضع الذي يحكي عنه.

وما معنى يبيتون؟ قالوا:
إن التبييت ليس دليل الشجاعة، وساعة ترى واحداً يبيت ويمكر فاعرف أنه
جبان؛ لأن الشجاع لا يكيد ولا يمكر، إنما يمكر ويكيد الضعيف الذي لا يقدر
على المواجهة، فإن تصبروا على مقتضيات عداواتهم وتتقوا الله لا يضركم
كيدهم شيئا؛ لأن الله يكون معكم.

ويذيل الحق الآية بالقول الكريم:
{ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }. وساعة ترى كلمة " محيط "
فهذا يدلك على أنه عالم بكل شيء.

والإحاطة: تعني ألا تشرد حاجة
منه. وها هي ذي تجربة واقعية في تاريخ الإسلام؛ يقول الحق فيها مؤكدا: {
وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ
ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } وعلى كل منا أن يذكر صدق هذه القضية.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://king43.algeriaforum.net
shaoline



avatar

ذكر
عدد الرسائل : 215
العمر : 23
الموقع : http://shaoline.ahlamountada.com
العمل/الترفيه : طالب
المزاج : خير منك
نسبة الخبرة :
الأوسمة :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 193
تاريخ التسجيل : 30/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى   الأحد 26 يوليو - 16:41

شكرا لك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://shaoline.ahlamountada.com
 
نصّ خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى ( تفسير الشعراوى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
king of forums :: المنتديات الدينية :: مواضيع دينية-
انتقل الى: